فضائح أحمد بن الصديق الغماري) وقدّمه له شيخه الشيخ محمد بن عبد الرحمن المغراوي، و لم يستوعب الكتاب ما أعرفه من فواقر أبي البيض، و انتشر الكتاب، و وصل إلى الغماريين بطنجة و إلى ذنبهم الأجرب أبي الفتوح، فأجمعوا كلهم على أن الكتاب من تأليفي، و لم ينفع إنكاري، لأن من عادتهم التصميم على الرأي و عدم الرجوع عنه، و لو نزل الوحي بالبراءة (أيٌّ كذا خُلِقتْ) و ليس من عادتي -و الحمد لله- أن أكذب، و الحق أن ليس لي في الكتاب حرف واحد؛ إلا أنني أطلعتهم على ما عندي من تآليف ورسائل أبي البيض، و ما أخذوه عني مشافهة، و إلا قصيدة رائية نظمتها إعلانا بالتوبة، و براءة من الزاوية و أهلها، نشرت في أول الكتاب بعنوان (قال درقاوي تائب) ، و قد حرفها عمدًا أحد ضحاياهم الجُدد، إلى: خائب، خيب الله سعيه.
و هذا الإمعة الذي نبغ مؤخرا يسمى: عدنان زهار، و هو من (البيضاء) و يقطن البْريجة (مدينة الجديدة) ، و قد زارني ببيتي و كاتبني أكثر من عشرين مرة سائلا مسترشدا، و كانت رسالته الأولى في ورقة بأعلاها صورة أبي البيض، فتوجست منها خيفة و علمت أن الولد مهووس بالغماريين جَرفه تيارهم الوثني، و أنه لا أمل في إنقاذه (إنك لا تهدي من أحببت) ، و كنت أتمنى أن يهديه الله على يدي لإحراز ثوابه، و لكن الفتى الشاب الغرّ سرعان ما انقلب على عقبيه، و قلب لي ظهر المجن، و سفر عن وجه مسْود كالح، و دهشت لما بدر منه دون سبب معقول، و هو تلميذي استجازني و أخذ عني، و راجعني، و استشارني في عشرات المسائل، و استعار مني كتبا، و مدحني في فواتح رسائله ب (شيخنا العلامة الأديب الشريف) ، و بعد مدة انقلبتُ خائنا كذابا مجرما كنودا حقودا وهابيا خبيثا جهولا، ... ، إلى ما احتوت عليه رسالته (دفاع عن كرامة و عرض سليل الأشراف الحافظ الإمام سيدي أحمد بن الصديق الغماري رحمه الله) ، التي قدمها له شيخه (المحدث الشريف أبو الفتوح) عبد الله بن عبد القادر التليدي حفظه الله، المطبوعة بطنجة في قالب كبير في 172 صفحة، و قد زين رسالته بصورة كبيرة لأبي البيض في طالعتها، و في ورقة الغلاف الأخيرة صورة نصفية لأبي البيض بالزي السوداني أخذت له بالخرطوم قبل وفاته بقليل، و في أسفل الورقة صورة المؤلف، و هو معمم يُلقي خطابا على كرسي و أمامه المكرفون، و خلفه العلم المغربي، و لعله كان في حفل سياسي رسْمي، لأنه موظف محاسب (كُونطَبْلي) بعمالة الجديدة، والعجب أنه رضي بذلك و هو المُحدث الناقد الذي
يتعقب كبار الحفاظ و يجرح و يعدل دون حسيب و لا رقيب، و لا غرو فهو مزكى من مشايخه الكبار كأبي الفتوح (بالمفهوم المغربي، و هو ما يقدم للشيخ و الراقي، و يسمى: الزْيارَة، و قد كَناه بذلك شيخه أبو البيض، لما يعلم من حرصه على جمع الفتوح، و حبه الجم للمال و المشيخة) و الزنيم المقبوح محمود سعيد ممدوح، والسخاف العسّاف حسن السقاف، و هو رغم اتفاقه مع ممدوح في بطر الحق و غمط الناس، عدو لدود له يتمعر وجهه لمجرد سماع اسمه كما لمسته بنفسي منه، و العجب أنه فرط من المصري مع شيخه إمام العصر، و زعيم المحدثين دون منازع شيخ الإسلام الألباني رحمه الله و طيب ثراه، مثل ما حصل لتلميذي العاق عزنان زُحار معي من العقوق الفريد، فكلاهما كتب لشيخه مع إطراء بالغ، و إقرار بالأخذ و الاستفادة، و زاد هذا إهداءَ بعض كتبه للشيخ، أما السقاف فقد أكل الحقد قلبه، و شوى الحسد كبده، و لم يَبْرد أُواره إلى اليوم، و قد قدّم لي بنفسه عند زيارته لي أكثر من عشرين رسالة كلها تدور على الرد على الألباني و تعقبه بالباطل في غالب ما كتب، و قد نصحته بالكف عن هذا البغي السافر، و أشرت له بالتوقف عن الانسياق وراء الغماريين عبد الله و عبد العزيز اللذين كانا سببًا مباشرا في ضلال جمهور من الشباب في طنجة و غيرها، و لا سيما في ميدان الرفض و التشيع الذي كان أبو البيض أول من نجّس به ربوع المغرب بعد أبي عبد الله الشيعي زعيم العبيديين الذي هلك منذ ثلاثة عشر قرنا، و درست دولته كما هو معلوم، و سنشرح بعون الله هذا في الفصول الآتية من (صحيفة سوابق) فليهنأ عَزْنان بهذه المشيخة الكريمة، و لعله يفرد لهم معجما يُدون فيه مناقبهم، و صدق الشاعر حيث قال: [البسيط]
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)