عوراته لاعتقادي أنها أفضل الجهاد، لأن أبا البيض و حزبه يخربون حصوننا من الداخل، والاغترار بهم قاتل، و الحمد لله الذي هدانا لهذا و ما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، و ما أخبرت به زعنان في رسالة مني إليه من عزمي على كتابة (صحيفة سوابق) أسجل فيها نحو خمس عشرة موبقة، صحيح، و قد زدت عليها فبلغت الآن عشرين موبقة بين مكفرة و مفسقة، و يطيب لي أن أعلمه أن كتابه (دفاع عن كرامة أبي البيض) كان أكبر حافز و أقوى باعث لي لنفض الغبار عنها والتعجيل بكتابتها ليهلك من هلك عن بينة، و يحيا من حيي عن بينة، و ما كتبت هذه الطرر والمواقف -و قد بلغت العشرين- إلا مدخلا لها، و سأوافيك بها بعد قليل، و أذكرك بكلمة الإمام المجاهد الصابر المحتسب أحمد بن حنبل المتقدمة التي فضل بها من يحارب المبتدعة، و يكشف للناس ضرهم على الصائم القانت المخبت المنقطع، لأن نفع هذا قاصر عليه، و الأول يعمل لأجل حماية الدين و المعتقد، و سلوك مُحْدِث البيضاء و البْريجة اللعين المخزي معي عجيب، فإنه زارني و تتلمذ على رسائلي و استجازني فأجزته، فوجد في صيغة الإجازة وصف أبي البيض: إمام العصر، و نادرة الدهر، في حين أنني أكفره و أحكم بردته بأدلة تبلغ خمسة عشر دليلا باعترافه، مع أن واحدا منها يكفي، و الوصف المذكور صحيح، ما زلت أعتقده بأن أبا البيض كان وقته بالمغرب إماما فريدا لا نعلم له نظيرا، و ليس هذا خاصا به؛ بل هو موقفي من الكتاني و الفاسي الفهري، فإنني أعتقد فضلهم العلمي، و أبرأ إلى الله من انحرافهم و عمالتهم، و لكن حصة أبي البيض كانت حصة الأسد؛ لأنه شذ عنهم، و تظاهر بمصائب لا تُعرف عنهم، و الحق أن انحرافي عنه بدأ برسالة فرعون، فقد دهشت لجوابه عن سؤالي عن فرعون بأنه مؤمن، و لا شك أنه يقول زيادة على إيمانه بولايته كما قال قدوته الكبرى ابن العربي الزنديق الملحد في (فتوحاته) ؛ بل مسوخاته التي مسخت عقول الغماريين حتى نَعَق أبو العُسر جمال الطين بنعته مُحيي الدين و الإيمان، و دعا: أعاد الله عليه من أنفاسه الزكية، و ملأ كتابه (السوانح) من فضائحه، و حين اطلعت عليها وجدتها من موجبات الكفر و الردة، و لم أستبح السكوت عليها فكتبت عليها ردودا موفقة إن شاء الله، ثم إن صيغة تلك الإجازة كانت قديمة، و مع اعترافي بمشيخته لي كغيره، فإني أبرأ منه و أحذر منه، و أكشف للناس جرائمه عملا بأصل الولاء و البراء في الإسلام، و إحياءً لسنة خليل الله عليه السلام، والشهادة بالحق واجبة كما قال تعالى: ( ... على أنفسكم أو الوالدين و الأقربين) ، و مسألة التكفير و التفسيق أنا أعلم خطورتها، و ما كنت لأجرأ عليها لولا ما توفر لدي من دلائل و براهين جمعت أقوى وسائل الردة كما يعلم من أبواب الردة في جميع مذاهب الفقه، على أن كثيرا من العلماء و الدعاة في الحرمين الشريفين و مصر لما وقفوا على رسالة أبي البيض في إثبات إيمان فرعون، استعاذوا بالله منها، و اعتبروها محادة لله و رسوله، فكيف لو اطلعوا على سائر موبقاته التي ستتولى (الصحيفة) ببيانها بإذن الله، و يعلم الله أنني لم أكتب حرفا فيها بدافع الهوى أو الانتصار للنفس، فإنني لم ألق من أبي البيض إلاالجميل، و قد أهدى إلي من كتبه الكثير و مدحني بقصيدة ميمية أوردها بدر في"الجواب المفيد"، و ما أحسبه مدح غيري بالشعر، و قد كانت ردا على مدائحي التي لم أكن فيها كاذبا؛ بل معتقدا مغترا جاهلا بالحقائق، و قد اعتذرت من هذا، و صرحت به في رائيتي التي نشرها أبو سفيان، في طليعة (تنبيه القاري) و هذه أبياتها الأولى، و كلها مهمة في نقد صوفية طنجة و ما هم عليه من الإفك و البهتان: [الطويل]
قضيت زمانا صوفيا ومقلدا ... لمن كنت أرجو منهمُ صالح الأثرْ
فما نلت منهم غير زور و بدعة التـ ... ـشيّع، يا ويحي لما حلّ و انتشرْ
فقلت مقالا مستقيلا و معلنا ... إلى القوم: إني تائب للذي فَطَرْ
مدحتكمْ غِرًّا و لم أكُ عارفًا ... بتاريخكم، يا مصدر اللُؤْمِ و الخَوَرْ
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)