أَدينُ بِدَينِ الحَقِّ أَنّى تَوَجَّهَتْ ** رَكائِبُهُ، فَالدِّينُ دِيني وَإيماني
و في رواية:
أَدينُ بِدَينِ الحُبِّ أَنّى تَوَجَّهَتْ ** رَكائِبُهُ فَالحُبُّ دِيني وَإيماني
و قد ذكر السخاوي في (القول المنبي) أن الإجماع كاد ينعقد على تضليل ابن العربي و الحكم بقتله، و أن الأمر كان على وشك التنفيذ لولا تدخل المجرمين من شيوخ الصوفية بمصر و الشام ذوي المكانة عند أمراء الممالك الجهلة، و في بعض الأحيان يتغلب الرشد و الحق على الهوى فيقام حكم الردة على المرتدين، فينقبعون و يتواصون بالكتمان، و ينسبون إلى الإمام علي بن زين العابدين بن الحسين بن علي رضي الله عنهم، و لا يصح عنه، و إنما هو من قول كلثوم بن عمرو العتابي المتوفى سنة 220 هـ: [البسيط]
يا رُبَّ جَوهَرِ عِلمٍ لَو أَبوحُ بِهِ ** لقِيلَ لي أَنتَ مِمَّن يَعبدُ الوَثَنا
و لاسْتَحَلَّ رِجالٌ مُسلِمونَ دَمي ** يَرَونَ أَقبَحَ ما يَأتونَهُ حَسَنا
الفصل الثاني عشر
شتمه لعدد (6) من الصحابة على رأسهم معاوية، و قوله بردتهم،
و ردّه القول بعدالتهم رضي الله عنهم، و لعن مبغضهم
هذا الفصل أيضا ينتظم ثلاث فواقر: رد القول بعدالتهم، و شتم عدد منهم، و الحكم بردتهم و نفاقهم.
أما القول برد عدالتهم التي أجمع عليها المسلمون إلاّ الروافض، و الخوارج، و الغماريون، و هم صميم الروافض، و قد ذكر أبو البيض في جؤنته: حديث (يلحد رجل بمكة يقال له عبد الله عليه نصف عذاب العالم) ، و في رواية لأحمد (يحلها بمكة كبش من قريش اسمه عبد الله عليه نصف أوزار الناس) ، و في رواية لأحمد أيضا (يحلها بمكة كبش من قريش اسمه عبد الله عليه نصف أوزار الناس) ، و في رواية لأحمد أيضا (يحلها -أي مكة- رجل من قريش لو وزنت ذنوبه بذنوب الثقلين لوزنتها) ، و قال: روي من طرق متعددة صحيحة و حسنة. و الحق أنه لم يصح منها شيء و هي بين ضعيف و منكر و منقطع، ثم أنزلها على أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما، و قال:
لما قام بالفتنة في مكة و أحلها جاء إليه عبد الله بن عمرو فأنذره بهذا الحديث، و ذكّره به لعله يرجع، فما زاده ذلك إلا لجاجا فيما هو فيه، و هذا مما يسد على القوم مسالكهم (يعني أهل السنة و الجماعة القائلين بعدالة الصحابة) ، و يُفسد عليهم ما أسسوه من عدالة كل من سموه صحابيا باصطلاحهم و عُرفهم، و لو لم ير النبي صلى الله عليه و آله و سلم إلا مرة في عمره، أو رآه و هو صغير دون بلوغ كعبد الله بن الزبير، و بنوا على ذلك ما بنوه من تصويب ما فعله أمثال هؤلاء، ولو كان مخالفا لكتاب الله تعالى و سنة رسوله، مناقضا للدين من أصله، مخالفين بذلك جميع النصوص و الأدلة، ضاربين بكل ما عارضه عرض الحائط، مجابهين للواقع، مكابرين للمحسوس، فهذا عبد الله بن الزبير قد قال فيه النبي صلى الله عليه و آله و سلم ما سبق، و أيده الواقع؟ فإنه استحل حرم الله تعالى و فتك به، و قتل و سفك الدماء، و فتن أهله حتى أهين المسجد و الكعبة المشرفة، و ضربت بالمنجنيق حتى احترقت و تهدمت، و كان مع هذا شديد العداوة لعلي عليه السلام و آل بيته الكرام، و قد قال صلى الله عليه و آله و سلم في الحديث الصحيح المجمع على صحته لعلي: (لا يحبك إلا مؤمن و لا يبغضك إلا منافق) .
و اندفع أبو البيض الأفاك يسرد مثالب ابن الزبير معتمدا في ذلك روايات الأخباريين الشيعة إلى أن شفى غيظ قلبه، و قد قال مالك رحمه الله: من سب الصحابة لا يُعطى من الفيء، و هو كافر، لأن الله تعالى قال: ( .. ليغيظ الكفار) ، و ابن الزبير رضي الله عنهما بايعه الجمهور من الصحابة، و تمت له الإمارة بعد يزيد بن معاوية، و نازعه مروان بن الحكم -و هو أرشد منه وأولى بالإمارة- و لما لم يتنازل له زحف إليه الحجاج بن يوسف الطاغية و حاصره و رمى الكعبة وأحرقها، و هذا معروف في التاريخ، فابن الزبير مظلوم تحصن بالحرم، و دافع عن نفسه الدفاع المشروع إلى أن قتل و صلب ظلما و عدوانا، و أبو البيض يتكلم بلسان غيره (الروافض) ، و ذنبه الأول عنده عداؤه لعلي و أهل بيته و بغضه، و لذلك حكم أبو البيض بنفاقه إعمالا لحديث (لايحبك إلا مؤمن .. ) ، و هو يعلم أن الحب و البغض من أعمال القلوب، و أن تصرف الإنسان المخالف قد يكون
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)