جملة المصلين -يعنى البصر والبدن - وصفهم بكليتهم أنهم حققوا الخشوع فقال: الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ {وقال:} وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ [45] { [سورة البقرة] . لم يقل إلا على الخاشعين في أبصارهم بينما في المحشر قال: خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ ... [7] { [سورة القمر] .مع أنهم يسرعون في مشيتهم، ويقول شيخ الإسلام:'ومن ذلك خشوع الأصوات كقولة: وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ ... [108] { [سورة طه] وهو انخفاضها وسكونها' أ. هـ بتصرف.
ومما يدخل في هذا المعنى- وهو الثاني: السكون- قوله تعالى: وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ [238] { [سورة البقرة] حيث قال مجاهد:'من القنوت: الركون والخشوع وغض البصر، وخفض الصوت، والرهبة لله '.
والمعنى الثالث من معاني الخشوع في القرآن: الخوف: كما قال قتادة:'الخشوع في القلب: هو الخوف، وغض البصر في الصلاة' كما قال الله عز وجل: وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ [90] { [سورة الأنبياء] قال الحسن:'هو الخوف الدائم في القلب'. وقال تعالى: وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ ... [45] { [سورة الشورى] . وقال الله تعالى: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ [16] { [سورة الحديد] .
والمعنى الرابع في القرآن: هو التواضع: ومن ذلك قولة تعالى: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ [45] { [سورة البقرة] . وقال: وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ ... [199] { [سورة آل عمران] . وقال: وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا [109] { [سورة الإسراء] . وقال: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ ... [35] { [سورة الأحزاب] . وكذا قوله: سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ... [92] { [سورة الفتح] . قال مجاهد:'هو الخشوع والتواضع'.
والمعنى الخامس: هو اليبس والجمود: كما في قوله تبارك وتعالى: وَمِنْ ءَايَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً ... [39] { [سورة فصلت] يعني: هامدة يابسة لا نبات فيها.
وأما في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقد جاء في عدد من الأحاديث:
منها: ما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: [مَا مِنْ امْرِئٍ مُسْلِمٍ تَحْضُرُهُ صَلَاةٌ مَكْتُوبَةٌ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهَا وَخُشُوعَهَا وَرُكُوعَهَا إِلَّا كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا قَبْلَهَا مِنْ الذُّنُوبِ مَا لَمْ يُؤْتِ كَبِيرَةً وَذَلِكَ الدَّهْرَ كُلَّهُ] .
ومن ذلك: حديث أبي هريرة عند النسائي بإسناد صحيح قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: [مَثَلُ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِهِ كَمَثَلِ الصَّائِمِ الْقَائِمِ الْخَاشِعِ الرَّاكِعِ السَّاجِدِ] رواه النسائي. هذا يدل على منزلة من حقق الخشوع.
ومن ذلك أيضًا: حديث على بن أبي طالب رضي الله عنه، كما أخرج الإمام مسلم في صحيحه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [اللَّهُمَّ لَكَ رَكَعْتُ وَبِكَ آمَنْتُ وَلَكَ أَسْلَمْتُ خَشَعَ لَكَ سَمْعِي وَبَصَرِي وَمُخِّي وَعِظَامِي وَعَصَبِي ... ] .
والخامس منها وهو درجات الخشوع: لا شك أن هذا المعنى يتفاوت ولا يكون الناس فيه أيضًا على وتيرة واحدة. وابن القيم رحمه الله يجعل الخشوع من هذه الحيثية -أي من جهة مراقيه- يجعله ثلاث مراتب:
الأولى: وهي التذلل لأمر الله عز وجل مع الاستسلام لحكمه، مع التواضع لنظر الله عز وجل له، هذه هي المرتبة الأولى.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)