فورك وغيرهما. وإنما نازع في ذلك طائفة كابن الباقلاني، وتبعه مثل أبي المعالي والغزالي وابن عقيل وابن الجوزي ونحوهم (6) .
(1) أخرجه البخاري (5109،5110) ومسلم (1408) .
(2) في أصوله (1/ 321) .
(3) انظر شرح اللمع (2/ 303) .
(4) في العدة (3/ 889) .
(5) في التمهيد (3/ 36) .
(6) انظر فتح المغيث (1/ 59) وتدريب الراوي (1/ 143) .
وقد ذكر أبو عمرو ابن الصلاح (1) القول الأول وصححه، ولكنه لم يعرف مذاهب الناس فيه ليتقوى بها، وإنما قاله بموجب الحجة. وظن من اعترض عليه من المشايخ (2) الذين فيهم علم ودين وليس لهم بهذا الباب خبرة تامة، لكنهم يرجعون إلى ما يجدونه في مختصر أبي عمرو بن الحاجب ونحوه من مختصر أبي الحسن الآمدي والمحصل ونحوه من كلام أبي عبد الله الرازي وأمثاله، ظنوا أن الذي قاله الشيخ أبو عمرو في جمهور أحاديث الصحيحين قول انفرد به عن الجمهور، وليس كذلك، بل عامة أئمة الفقهاء وكثير من المتكلمين أو أكثرهم وجميع علماء أهل الحديث على ما ذكره الشيخ أبو عمرو. وليس كل من وجد العلم قدر على التعبير عنه والاحتجاج له، فالعلم شيء، وبيانه شيء آخر، والمناظرة عنه وإقامة دليله شيء ثالث، والجواب عن حجة مخالفه شيء رابع.
والحجة على قول الجمهور أن تلقي الأمة للخبر تصديقًا وعملًا إجماع منهم، والأمة لا تجتمع على ضلالة (3) ، كما لو اجتمعت على عموم أو أمر أو مطلق أو اسم حقيقة أو على موجب قياس، بل كما لو اجتمعت على ترك ظاهر من القول، فإنها لا تجتمع على خطأ، وإن كان ذلك لو جرد الواحد إليه نظره لم يأمن على الخطأ، فإن العصمة ثبتت بالهيئة الاجتماعية، كما أن خبر التواتر كل من المخبرين يجوز العقل
(1) في علوم الحديث 24.
(2) مهم النووي في الإرشاد (1/ 133) ، والعز بن عبد السلام كما في التقييد والإيضاح 28 والنكت لابن حجر (1/ 371) .
(3) كما في الحديث الذي أخرجه الترمذي (2167) عن ابن عمر، وله شواهد يرتقي بها إلى الصحة.
عليه أن يكون كاذبًا أو مخطئًا، ولا يجوز ذلك إذا تواتر، فالأمة في روايتها ورأيها ورؤياها أيضًا. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:"إني أرى رؤياكم قد تواطأت على أنها في العشر الأواخر، فمن كان منكم متحريها فليتحرها في السبع الأواخر" (1) . فجعل تواطؤ (2) الرؤيا دليلًا على صحتها.
والواحد في الرواة قد يجوز عليه الغلط، وكذلك الواحد في رأيه وفي رؤياه وكشفه، فإن المفردات في هذا الباب تكون ظنونًا بشروطها، فإذا قويت تكون علومًا، وإذا ضعفت تكون أوهامًا وخيالات فاسدة.
وأيضًا فلا يجوز أن تكون في نفس الأمر كذبًا على الله ورسوله، وليس في الأمة من ينكره، إذ هو خلاف ما وصفه الله.
فإن قيل: أما الجزم بصدقه فلا يمكن منهم إلا مجازفة، وأما العمل به فهو الواجب عليهم [و] إن لم يكن صحيحًا في الباطن. وهذا سؤال ابن الباقلاني.
قلنا: أما الجزم بصدقه فلجزمهم بالأحكام التي يستندون فيها إلى ظاهر أو قياس، كجزمهم بمعاني الآيات والأخبار، وذلك أنه قد يحتف به عندهم من القرائن ما يوجب العلم، إذ القرائن المجردة قد تفيد العلم بمضمونها، فكيف إذا احتف بالخبر. والمنازع بنى هذا على أصله الواهي أن العلم بمخبر الأخبار لا يحصل إلا من جهة العدد، فلزمه أن يقول: ما دون العدد لا يفيد أصلًا. وهذا غلط خالفه فيه حذاق أتباعه.
وأما العمل به فنقول: لو جاز أن يكون في الباطن كذبًا، وقد وجب
(1) أخرجه البخاري (1158،2015،6991) ومسلم (1165) عن عبد الله بن عمر.
(2) في الأصل:"تواطي".
عليهم العمل بما هو كذب، فهذا هو الخطأ، ولا معنى لإجماع الأمة على خطأ إلا ذلك، فإن المجوز لذلك لا يقول: إنهم عاصون أو فساق بالخطأ.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)