و الإدراك الموافق للحقيقة هو العلم يعني أعلى الدرجات ـ درجات الإدراك الصحيح ـ لأن الإدراك الصحيح درجات إذا كان يقينًا فهو علم، و إذا كان مترددًا فيه فإن تساوى إدراك الصواب و نقيضه فهو شك، و إن ترجح أحدهما فالراجح هو الظن و المرجوح هو الوهم. على كل حال العلم هو الإدراك الصحيح و إن شئت قلت الإدراك المطابق للواقع. و الإدراك إذا كان مجزومًا به سمي اعتقادا لأن القلب قد انعقد عليه و بغض النظر عن موافقته للحقيقة أو مخالفته لها فإن هذا الاعتقاد يعني الإدراك الجازم لدى الشخص إذا كان موافقًا للواقع فهو علم و هو اعتقاد صحيح كعلم المسلم بالتوحيد أن الله واحد و أن النبي ? مرسَل من عند الله وأما إذا كان اعتقادًا مخالفًا للواقع و لما هو عليه الأمر في الخارج فهو و إن كان اعتقادًا جازمًا لكنه باطل كاعتقاد النصراني بالتثليث و اعتقاده بألوهية عيسى و اعتقاده ببنوته لله ـ تعالى الله ـ و اعتقاد اليهودي أن عزيرًا ابن الله و غير ذلك من الاعتقادات الباطلة فإنها و إن كانت مجزومًا بها لدى أهلها فذلك لا يخولها أن تكون علمًا بل هي في الحقيقة اعتقاد باطل، أما العلم فهو الاعتقاد الجازم الموافق للواقع لأنه إذا كان اعتقادًا غير جازم فهو إما ظن وإما شك و إما وهم و إن كان غير موافق للواقع فهو جهل و ليس بعلم فعُلم حد العلم بهذا.
(اعلم رحمك الله تعالى) جملة معترضة دعائية الرحمة من الله عز و جل صفة ثبوتية حقيقية على ما يليق بجلاله و عظمته و هي أخص أوصاف الله عز و جل بعد الألوهية و هي كذلك أخص أسماءه بعد الله الرحمن و لذلك رتبه بعد الله قال: بسم الله الرحمن الرحيم، و قال الله عز وجل: ( ? ? ? ? ?•? ? ?) ، و لهذا فإن اسم الرحمن لا يسمى به إلا الله كاسم الله لا يسمى به إلا الله عز وجل و هكذا الرحمن، أما رحيم و عليم و كريم فهذه يسمى بها الله و يسمى به خلق الله و إن كان الاسم كالاسم وليس المسمى كالمسمى على ما قرره أئمة الإسلام و منهم شيخ الإسلام أحمد بن تيمية في الرسالة التدمرية و غيرها.
(رحمك الله تعالى) الله أي المألوه المعبود و هو العَلم الأعظم اسم الله سبحانه و تعالى.
(تعالى) أي الله سبحانه و تعالى له علو المكان وعلو القدر وعلو القهر، له الثلاثة الأنواع العلي العظيم سبحانه و تعالى.
(أنه يجب علينا) الواجب هو ما يثاب فاعله امتثالًا و يعاقب تاركه اختيارًا، ما يثاب فاعله امتثالًا بعكس ما لو أجبر على فعله و هذا له تفصيل ليس هذا مقامه، و يعاقب تاركه اختيارًا أما إذا تركه اضطرارًا فلا يعاقب على تفصيل كثير ليس هذا محله.
(يجب علينا) أي على كل مسلم و مسلمة تعلم أربع مسائل:
(تعلم) سبق بيان حد العلم يعني اعتقادها اعتقادًا جازمًا راسخًا.
(أربع مسائل) المسألة هي الواحدة من العلم أو المعلومة تسمى مسألة لأنه يسأل عنها فيجاب بها، فلذلك سميت مسألة، مسائل جمع مسألة.
الأولى: العلم.
و العلم سبق تعريفه كما ذكرت و قلت إنه سيأتي. و بما أننا عرفنا العلم فيبقى بعد هذا الكلام على مسألتين أو ثلاث.
المسألة الأولى: فضل العلم.
و فضل العلم قد بينه الله عز وجل، و بينه نبيه عليه الصلاة و السلام، فلقد أخبر الله عز وجل أن أهل العلم هم أصحاب الدرجات و المنازل العاليات قال تعالى: ( ? ? ? ?) ، و أبى التسوية بينهم و بين غيرهم من ا لمخلوقات كما قال تعالى: ( ? ? ? ? ?) ، و بين أنهم أكثر الناس خشية للخالق بما علموا من الدلائل القطعبات و البراهين اليقينيات قال تعالى: (? ? ? ?) ، و بين نبيه عليه الصلاة والسلام أنهم ماضون إلى الجنة من أيسر الطرقات كما في الحديث الذي أخرجه الترمذي و غيره بسند حسن قال عليه الصلاة و السلام:"من سلك طريقًا يبتغي فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة"الخ الحديث، و بين النبي عليه الصلاة والسلام أنه يستغفر لطالب العلم الحيتان في البحر والمخلوقات، و إن الملائكة لتضع
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)