وأما بَرِئ، فبمعني: تَنَزَّهَ وتباعَدَ ، فالتباعُدُ من الشيء ومزايلتُه هو أحدُ أَصْلَيْ معنى هذه الكلمة ، والأصل الثاني هو: الخَلْقُ، ومنه اسمه تعالى (البارئ) . ومن الأصل الأول (وهو التباعُدُ من الشيء ومُزَايلته) : البُرْءُ هو السلامة من المرض، والبراءةُ من العيب والمكروه .
والبَرَاءُ: مصدر بَرِئتُ ، ولأنه مصدر فلا يُجمع ولا يُثَنَّى ولا يؤنّث، فتقول: رجُلٌ بَرَاء، ورجلان بَرَاء، ورجالٌ بَرَاء، وامرأةُ بَرَاء . أمّا إذا قُلتَ: بريءٌ، تجمع، وتثني، وتؤنث، فتقول للجمع: بريئون وبِراء (بكسر الباء) ، وللمثنى بريئان، وللمؤنث بريئة وبريئات .
هذا هو معنى الوَلاء والبراء في اللغة.
تعريف الولاء والبراء في الإصطلاح:
الولاء والبراء لفظان عربيّان كما سبق، وقد وَرَدَا في نصوص الكتاب والسنة (كما يأتي) ، فاستخدمهما العلماء للدلالة على معتقدٍ دَلّت الأدلة المستفيضةُ في الكتاب والسنّة عليه.
وبالنظر في أدّلة الكتاب والسنّة وُجد أن معتقد الولاء والبراء يرجع إلى معنيين اثنين بالتحديد، هما: الحُبُّ والنُّصْرةُ في الولاء، وضِدُّهما في البراء. ولا يخفى أن هذِين المعنيين من معانيهما في اللغة، كما سبق بيانه.
وسيأتي من أدلّة الكتاب والسنّة ما يبيّنُ هذا المعنى الذي ينحصر فيه معتقد (الولاء والبراء) ، وهو أنه ينحصر في: الحُبِّ، والنصرة؛ تحقيقًا لهما في الولاء، وتحقيقًا لما يُضادُّهما في البراء.
وعلى هذا فالولاء شرعًا، هو: حُبُّ الله تعالى ورسوله ودين الإسلام وأتباعِه المسلمين، ونُصْرةُ الله تعالى ورسولِه ودينِ الإسلام وأتباعِه المسلمين.
والبراء هو: بُغْضُ الطواغيت التي تُعبَدُ من دون الله تعالى (من الأصنام الماديّة والمعنويّة: كالأهواء والآراء) ، وبُغْضُ الكفر (بجميع ملله) وأتباعِه الكافرين، ومعاداة ذلك كُلِّه.
هذا هو معنى الولاء والبراء في الإسلام، فهو معتقدٌ قلبيٌّ، لابُدّ من ظهور أثره على الجوارح، كباقي العقائد، التي لا يصح تصوُّر استقرارها في القلب دون أن تظهر على جوارح مُعتقِدِها. وعلى قَدْر قوّة استقرارها في القلب وثبوتها تزداد دلائل ذلك في أفعال العبد الظاهرة، وعلى قَدْرِ ضعف استقرارها تنقص دلائلها في أفعال العبد الظاهرة. فإذا زال هذا المعتقد من القلب بالكلية، زال معه الإيمانُ كُلّه (كما يأتي بيانه) ، فلم يَبْقَ للإيمان أثرٌ على الجوارح؛ إلا في المنافق، الذي يُظهر الإسلام ويُبطن الكفر.
وبذلك نعلم، أننا عندما نقول إن ركني الولاء والبراء هما: الحب والنصرة في الولاء، والبغض والعداوة في البراء، فنحن نعني بالنصرة وبالعداوة هنا النصرة القلبيّةَ والعداوةَ القلبيّة، أي تمنِّي انتصار الإسلام وأهله وتمنِّي اندحار الكفر وأهله. أمّا النصرة العملية والعداوة العمليّة فهما ثمرةٌ لذلك المعتقد، لا بُدّ من ظهورها على الجوارح، كما سبق.
وبناءً على هذا التقرير، يَتّضحُ أن رُكن الولاء الأكبر هو الحُبّ، والنُّصرةُ العمليّةُ هي ثمرة هذا الحب وأثره على الجوارح. وأن ركن البراء الأكبر هو البغض، والعداوة العمليّةُ هي ثمرة هذا البُغْض وأثره على الجوارح.
وهذا يعني أن النصرة العمليّة، لا يُكَفّر من أخلّ بأكثر مظاهرها، مادام لحب الإسلام وأهله في قلبه استقرار. ولا يكْفُر المرء إلا إذا استبدل بالحب بغضًا. وكذلك العداوة العملية لا يُكفَّر من أخلَّ بأكثر مظاهرها، مادام لبغض الكفر وأهله في قلبه استقرار. ولا يَكفُر المرء إلا إذا استبدل بالبغض حبًا للكفر وأهله.
وبذلك نعلم أن كُفْرَ انعدامِ الولاء والبراء كُفْرٌ قلبي اعتقادي، لا يُمْكِنُ أن يُكَفَّر العَبْدُ بدعوى الإخلال به، إلا إذا صَرّحَ ببغض الإسلام وأهله، أو صَرّح بحًبّ الكفر وأهله. أو عَمِلَ عَمَلًاَ آخر مما عَدَّهُ الشارعُ كُفرًا، وتحققت شروطُ التكفير فيه وانتفت موانعُه، فعندها يُكفَّر على التعيين، لا لانعدام الولاء والبراء (وإن كانا منعدمين فيه وفي كل كافر) ، ولكن لفعله ذلك الفعلَ الذي يُكفَّرُ صاحبُه به.
فإن قيل: فما القول فيمن أخلَّ بكُلّ مظاهر الولاء والبراء العمليّة، فأقول: لا يُتصَوَّرُ وُقُوعُ ذلك إلا مِمّن عمل عَمَلًا كُفْريًّا لاعذر له فيه. وهذا هو الذي يُخِلُّ بكل مظاهر الولاء والبراء، بل لاتنفعه مظاهره العمليّة حتى لو أتى ببعضها؛ لأنه يكون بفعله هذا منافقًا.
ومع ذلك، فإن مَنْعَ التكفير بالإخلال ببعض مظاهر الولاء والبراء العملية، لا يعني أن هذا الإخلال مباح. بل هو إثمٌ، وفاعله آثمٌ، إذا لم يكن له عذرٌ (كالإكراه) . ويَعْظُمُ هذا الإثم إلى أن يصل إلى مصافّ أكبر الكبائر، بقدر ما يترتّب على هذا الإخلال من الضرر على الإسلام وأهله. ومن خلال هذا التوضيح للولاء والبراء نعرف حقيقته والمقصود منه؛ لنلج بعد ذلك في أدلّة هذا المعتقد من الكتاب والسنّة والإجماع. وإنما تطرّقتُ هنا لبيان بعض أحكامه؛ لأن التصوُّر الصحيحَ الكامل عن هذا المعتقد لا يتحقّق بمجرَّد التعريف به، بل لابُدّ له من هذه الإضافة المهمّة هنا.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)