2 -ومثال ما وقعت العلة فيه في الإسناد وتقدح فيه دون المتن ما مثل به المصنف من إبدال راوٍ ثقة براوٍ ثقة وهو بقسم المقلوب أليق؛ فإن أبدل راوٍ ضعيف براو ثقة وتبين الوهم فيه استلزم القدح في المتن أيضًا، إن لم يكن له طرق أخرى صحيحة كما روى يعلى بن عبيد الطنافسي عن الثوري عن عمرو بن دينار عن ابن عمر عن النبي ?: (( البيعان بالخيار ما لم يتفرقا ) )، فغلط يعلى في قوله: عمرو بن دينار إنما هو عبدالله بن دينار، كما رواه الأئمة من أصحاب الثوري . يعني فلا يضر في صحة المتن؛ لأن عبدالله وعَمْرًا كلاهما ثقة.
3 -تقع العلة في الإسناد وتقدح فيه وفي المتن، ومن أغمض ذلك أن يكون الضعيف موافقًا للثقة في نعته.
ومثال ذلك ما وقع لأبي أسامة حماد بن أسامة الكوفي أحد الثقات عن عبدالرحمن بن يزيد بن جابر - وهو من ثقات الشاميين قدم الكوفة، فكتب عنه أهلها ولم يسمع منه أبو أسامة، ثم قدم بعد ذلك عبدالرحمن بن يزيد بن تميم، وهو من ضعفاء الشاميين، فسمع منه أبو أسامة، وسأله عن اسمه فقال: عبدالرحمن بن يزيد، فظن أبو أسامة أنه ابن جابر، فصار يحدِّث عنه وينسبه من قبل نفسه، فيقول: حدثنا عبدالرحمن بن يزيد بن جابر، فوقعت المناكير في رواية أبي أسامة عن ابن جابر، وهما ثقتان فلم يفطن لذلك إلا أهل النقد، فميزوا ذلك ونصوا عليه كالبخاري وأبي حاتم وغير واحد.
4 -ومثال ما وقعت العلة في المتن دون الإسناد، ولا تَقْدَح فيهما، ما وقع من اختلاف ألفاظ كثيرة من أحاديث الصحيحين، إذا أمكن ردُّ الجميع إلى معنى واحد، فإن القدح ينتفي عنها. وسنزيد ذلك إيضاحًا في النوع الآتي إن شاء الله تعالى.
5 -ومثال ما وقعت العلة في المتن دون الإسناد: ما يرويه راوٍ بالمعنى الذي ظنه يكون خطأ، والمراد بلفظ الحديث غير ذلك، فإن ذلك يستلزم القدح في الراوي، فيعلل الإسناد.
6 -ومثال ما وقعت العلة فيه في المتن، واستلزمت القدح في الإسناد، ما ذكره المصنف من أحد الألفاظ الواردة في حديث أنس رضي الله عنه وهي قوله: (( لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة ولا في آخرها ) )فإن أصل الحديث في الصحيحين، فلفظ البخاري: (( كانوا يفتتحون بالحمد لله رب العالمين ) ).
الفصل الثالث: أهمية علم علل الحديث
تظهر أهمية علم علل الحديث من تعريف العلة وهي سبب خفي قادح في صحة الحديث مع أن الظاهر السلامة منه.
ولما كان هذا العلم خفيًا غامضًا، كان إدراكه من أصعب الأمور، ولما كانت العلة تكثر في أحاديث الثقات فيعتمد عامة الناظرين على كون الثقة ثقةً ويقبلون حديثه تحسينًا للظن به وبحديثه فيصححون المعلول، وفيه من الخطورة ما لا يقادر قدرُه، بحيث يُنسب إلى النبي ? قول أو فعل أو تقرير أو شيء آخر، ممَّا لم يثبت عنه ?.
ولذا لم يقم بهذا العبء الكبير إ لا جهابذة الحديث، قال أبو عبدالله بن منده الحافظ: (( إنما خص الله بمعرفة هذه الأخبار نفرًا يسيرًا من كثير ممن يَدَّعي علم الحديث ) ).
وقال الحاكم: (( معرفة علل الحديث، وهو علم برأسه غير الصحيح والسقيم، والجرح والتعديل، وإنما يعلل الحديث من أوجهٍ ليس للجرح فيها مدخل، فإن حديث المجروح ساقط واهٍ، وعِلة الحديث يكثر في أحاديث الثقات، أن يحدثوا بحديث له عِلَّةٌ فيخفى عليهم علمه فيصير الحديث معلولًا ) ).
وقال الإمام أحمد: (( ومن يَعْرى من الخطأ والتصحيف ) )؟
وقال الإمام مسلم: (( ومما ذكرت لك من منازلهم في الحفظ ومراتبهم فيه فليس من ناقل خبر وحامل أثر من السلف الماضين إلى زماننا -وإن كان من أحفظ الناس وأشدهم توقيًا وإتقانًا لما يحفظ وينقل- إلا الغلط والسهو ممكن في حفظه ونقله، فكيف بمن وصفت لك ممن طريقه الغفلة والسهو في ذلك ) )؟
ومن أهميته أن هذا العلم خاص بأهل الحديث الذين أخرجهم الله لحفظ سنة نبيه ?، لا يصحّ لمن ليس له عناية خاصة بهذا العلم أن يتكلم فيه بالتصحيح والتسقيم.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)