[فالمثلية هنا باعتبار كثرة القتلى في الجملة، فلا يَرِد أن المسلمين قتلوا من المشركين يوم بدر سبعين، وأسروا سبعين، وقتل المشركون من المسلمين يوم أحد خمسة وسبعين، وجرحوا سبعين، والتزام بعضهم تفسير القرح بمجرد الانهزام دون تكثير القتلى فرارًا من هذا الإيراد] [11]
وعلى هذا فليس المقصود المطابقة الكاملة بين المثل والمثل، بل الأمر على الغالب الأعم والظاهر الواضح.
[إن المماثلة بين الذوات المتنائية إنما تكون باعتبار الصفات الجامعة بينهما إذ هي أسباب في ثبوت المماثلة بينهما.
وتقوى المماثلة بقوة أسبابها، وتضعف بضعفها، فإذا سلب وصف ثابت لإحدى الذاتين عن الأخرى انتفي وجه من المماثلة، ثم لا يزال يسلب أسباب المماثلة أقواها فأقواها حتى تنتفي المماثلة كلها بهذا التدرج.] [12]
وعليه فالمثل هو الذي يكون مساويًا للمثل في بعض الصفات أوفي أغلب الصفات، أو قل:
[المثلية لا تستلزم التساوي من كل جهة.] [13]
وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم:
(من بنى لله مسجدًا ولو كمفحص قطاة بنى الله له مثله في الجنة) [14]
[حمل العلماء ذلك على المبالغة لأن المكان الذي تفحصه القطاة لتضع فيه بيضها، وترقد عليه لا يكفى مقداره للصلاة.
وقيل: هي على ظاهرها، والمعنى: أنه يزيد في مسجدٍ قدرًا يحتاج إليه تكون تلك الزيادة هذا القدر، أو يشترك جماعة في بناء مسجد فتقع حصة كل واحد منهم على ذلك القدر ....
وقد اختلف العلماء في معنى المماثلة، فقال ابن العربي: مثله في القدر والمساحة ... وقيل: مثله في الجودة والحصانة وطول البقاء .... وقيل: هذه المثلية ليست على ظاهرها، وإنما يعنى أنه يبنى له بثوابه بيتًا اشرف وأرفع وأعظم.
وقيل: يحتمل أن يكون (مثله) معناه: بنى الله له مثله في مسمى البيت، وأما صفته في السعة وغيرها فمعلوم فضلها، فإنها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ...
قال الحافظ: لفظ المثل له استعمالان:
أحدهما: الإفراد مطلقًا كقوله تعالى: (فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا) (المؤمنون: من الآية47) .
والآخر: المطابقة كقوله تعالى: (أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ) (الأنعام: من الآية38)
فعلى الأول لا يمتنع أن يكون الجزاء أبنية متعددة، فيحصل جواب من استشكل تقييده بقوله (مثله) مع أن الحسنة بعشر أمثالها، لاحتمال أن يكون المراد بنى الله له عشرة أبنية مثله ...
ومن الأجوبة المرضية:
أن المثلية هنا، بحسب الكمية والزيادة حاصلة بحسب الكيفية، فكم من بيت خير من عشرة، بل من مائة ...
وقيل: إن المثلية هي أن جزاء هذه الحسنة من جنس البناء لا من غيره.] [15]
وهذه التخريجات المتنوعة تثبت أن المثلية لا تعنى التطابق في كل شيء إنما في بعض الصفات سواء كثرت هذه الصفات أم قلت ..
حتى أن البعض يلمح صفة واحدة بين المثلين، ومن ذلك.
[في قوله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) (الكهف: من الآية110) أي في البشرية والمعنى: أنسى كما تنسون.] [16]
وفي الحديث: (نهى النبي عن بيع الطعام بالطعام إلا مثلًا بمثل) [17]
[فالمماثلة المعتبره هنا هي المماثلة في الكيل والوزن] [18]
وفي حديث آخر:
(إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ... ) [19]
[فلفظة المثل هنا لا تقتضي المساواة من كل وجه ولا يراد المماثلة في كل الأوصاف كالجهر برفع الصوت مثلًا.] [20]
وهذه الأحاديث، وتلك الآيات التي ورد فيها لفظ المثل تدل بجلاء على أن المثلية تكون في بعض الصفات، أو في الكثير منها.
لكن على جانب آخر:
هناك في تراث العلماء ما يدل على أن المثلية تعنى التطابق في الأصل، والتوحّد في الماهية والتناظر في الحقيقة، وعلى هذا وردت قراءة ابن مسعود (فإن آمنوا بما آمنتم به ... )
وقال: [لا تقولوا: فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به، فإن الله ليس له مثل ولكن قولوا بالذي آمنتم به ... ] [21]
وكأنه جعل محل الإيمان هنا ومتعلق المثلية هنا هو الله تعالى.
وخرج الطبري الأمر على محمل آخر حيث قال: [إنما وقع التمثيل بين الإيمانين لا بين المؤمن به.] [22]
وعلى آية حال فالآيات القرآنية العديدة تدل على أن المثلية تعنى الأصل والحقيقة والتطابق بين المثل ومثيله، واقرأ معي هذا
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)