فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 8985 من 56889

مِنْ الدَّلَائِلِ أُبْطِلَ الْأَضْعَفُ مِنْ الذَّرَائِعِ كُلِّهَا.

4 -وَقَدْ قَسَّمَ الْقَرَافِيُّ: الذَّرَائِعَ إلَى الْفَسَادِ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ أَجْمَعَتْ الْأَمَةُ عَلَى سَدِّهِ وَمَنْعِهِ وَحَسْمِهِ , كَحَفْرِ الْآبَارِ فِي طُرُقِ الْمُسْلِمِينَ , فَإِنَّهُ وَسِيلَةٌ إلَى إهْلَاكِهِمْ فِيهَا , وَكَذَلِكَ إلْقَاءُ السُّمِّ فِي أَطْعِمَتِهِمْ , وَسَبِّ الْأَصْنَامِ عِنْدَ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِهَا , وَيُعْلَمُ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ يَسُبُّ اللَّهَ تَعَالَى عِنْدَ سَبِّهَا. وَقِسْمٌ أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى عَدَمِ مَنْعِهِ , وَأَنَّهُ ذَرِيعَةٌ لَا تُسَدُّ , وَوَسِيلَةٌ لَا تُحْسَمُ , كَالْمَنْعِ مِنْ زِرَاعَةِ الْعِنَبِ خَشْيَةَ أَنْ تُعْصَرَ مِنْهُ الْخَمْرُ فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ , وَكَالْمَنْعِ مِنْ الْمُجَاوَرَةِ فِي الْبُيُوتِ خَشْيَةَ الزِّنَى. وَقِسْمٌ اخْتَلَفَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ هَلْ يُسَدُّ أَمْ لَا , كَبُيُوعِ الْآجَالِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ , كَمَنْ بَاعَ سِلْعَةً إلَى شَهْرٍ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ , ثُمَّ اشْتَرَاهَا نَقْدًا بِخَمْسَةٍ قَبْلَ آخِرِ الشَّهْرِ. فَمَالِكٌ يَقُولُ: إنَّهُ أَخْرَجَ مِنْ يَدِهِ خَمْسَةً الْآنَ وَأَخَذَ عَشْرَةً آخِرَ الشَّهْرِ , فَهَذِهِ وَسِيلَةٌ لِسَلَفِ خَمْسَةٍ بِعَشْرَةٍ إلَى أَجَلٍ تَوَسُّلًا بِإِظْهَارِ صُورَةِ الْبَيْعِ لِذَلِكَ. وَالشَّافِعِيُّ يَقُولُ: يُنْظَرُ إلَى صُورَةِ الْبَيْعِ وَيُحْمَلُ الْأَمْرُ عَلَى ظَاهِرِهِ فَيَجُوزُ ذَلِكَ , قَالَ الْقَرَافِيُّ: وَهَذِهِ الْبُيُوعُ تَصِلُ إلَى أَلْفِ مَسْأَلَةٍ اخْتَصَّ بِهَا مَالِكٌ وَخَالَفَهُ فِيهَا الشَّافِعِيُّ.

5 -أَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ الَّذِي أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَيْهِ , فَهُوَ مَا كَانَ أَدَاؤُهُ إلَى الْمَفْسَدَةِ قَطْعِيًّا , فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ يُسَدُّ , وَلَكِنَّ التَّقِيَّ السُّبْكِيّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ قَالَ: لَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ سَدِّ الذَّرَائِعِ , بَلْ هُوَ مِنْ تَحْرِيمِ الْوَسَائِلِ , وَالْوَسَائِلُ تَسْتَلْزِمُ الْمُتَوَسَّلَ إلَيْهِ , وَلَا نِزَاعَ فِي هَذَا , كَمَنْ حَبَسَ شَخْصًا وَمَنَعَهُ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ فَهَذَا قَاتِلٌ لَهُ , وَلَيْسَ هَذَا مِنْ سَدِّ الذَّرَائِعِ فِي شَيْءٍ. وَالنِّزَاعُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْمَالِكِيَّةِ لَيْسَ فِي الذَّرَائِعِ وَإِنَّمَا هُوَ فِي سَدِّهَا. وَقَالَ التَّاجُ بْنُ السُّبْكِيّ: وَلَمْ يُصِبْ مَنْ زَعَمَ أَنَّ قَاعِدَةَ سَدِّ الذَّرَائِعِ يَقُولُ بِهَا كُلُّ أَحَدٍ , فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ لَا يَقُولُ بِشَيْءٍ مِنْهَا. وَقَدْ صَرَّحَ الشَّافِعِيُّ بِمَذْهَبِهِ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: لَا يَفْسُدُ عَقْدٌ أَبَدًا إلَّا بِالْعَقْدِ نَفْسِهِ , وَلَا يَفْسُدُ بِشَيْءٍ تَقَدَّمَهُ وَلَا تَأَخَّرَهُ , وَلَا بِتَوَهُّمٍ. وَلَا تَفْسُدُ الْعُقُودُ بِأَنْ يُقَالَ: هَذِهِ ذَرِيعَةٌ , وَهَذِهِ نِيَّةُ سُوءٍ , أَلَا تَرَى لَوْ أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى سَيْفًا , وَنَوَى بِشِرَائِهِ أَنْ يَقْتُلَ بِهِ , كَانَ الشِّرَاءُ حَلَالًا , وَكَانَتْ نِيَّةُ الْقَتْلِ غَيْرَ جَائِزَةٍ , وَلَمْ يَبْطُلْ بِهَا الْبَيْعُ. قَالَ: وَكَذَلِكَ لَوْ بَاعَ الْبَائِعُ سَيْفًا مِنْ رَجُلٍ لَا يَرَاهُ أَنَّهُ يَقْتُلُ بِهِ رَجُلًا كَانَ هَكَذَا.

6 -وَأَمَّا الْقِسْمُ الَّذِي أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُسَدُّ فَهُوَ مَا كَانَ أَدَاؤُهُ إلَى الْمَفْسَدَةِ قَلِيلًا أَوْ نَادِرًا. وَقَدْ بَيَّنَ ابْنُ الْقَيِّمِ أَنَّ الذَّرِيعَةَ إلَى الْفَسَادِ تُسَدُّ سَوَاءٌ قَصَدَ الْفَاعِلُ التَّوَصُّلَ بِهَا إلَى الْفَسَادِ أَوْ لَمْ يَقْصِدْ ذَلِكَ.

7 -وَأَمَّا الْقِسْمُ الَّذِي اُخْتُلِفَ فِيهِ فَهُوَ مَا كَانَ أَدَاؤُهُ إلَى الْمَفْسَدَةِ كَثِيرًا لَكِنَّهُ لَيْسَ غَالِبًا , فَهَذَا مَوْضِعُ الْخِلَافِ. وَالْخِلَافُ مِنْ ذَلِكَ جَارٍ فِي غَيْرِ مَا وَرَدَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ سَدُّهُ مِنْ الذَّرَائِعِ , أَمَّا مَا جَاءَ النَّصُّ بِسَدِّهِ مِنْهَا فِي النُّصُوصِ الشَّرْعِيَّةِ الثَّابِتَةِ فَلَا خِلَافَ فِي الْأَخْذِ بِذَلِكَ , كَالنَّهْيِ عَنْ سَبِّ آلِهَةِ الْمُشْرِكِينَ لِئَلَّا يَسُبُّوا اللَّهَ تَعَالَى , وَكَالنَّهْيِ عَنْ الصَّلَاةِ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَغُرُوبِهَا. وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي جَوَازِ حُكْمِ الْمُجْتَهِدِ بِتَحْرِيمِ الْوَسِيلَةِ الْمُبَاحَةِ إنْ كَانَتْ تُفْضِي إلَى الْمَفْسَدَةِ لَا عَلَى سَبِيلِ الْقَطْعِ أَوْ الْغَلَبَةِ.

وحتى يكون هذا الموضوع متكاملا فقد قمت بتلخيص أقوال أهل العلم في هذا الموضوع

أخوكم

علي بن حمزة الشامي

13 رجب 1425 هـ الموافق 28/ 8/2004 م

(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت