مع أن مسألة تقطيع الحديث الواحد وتفريقه في الأبواب مما اختلف فيها المتقدمون، فمنهم من أجاز ذلك إذا كان الحديث مشتملًا على عدة أحكام، كل حكم منها مستقل غير مرتبط بغيره كحديث جابر الطويل في الحج ونحوه، أو كان ما قطع من الحديث لا يتعلق بما قبله ولا بما بعده تعلقًا يفضي إلى فساد المعنى، ومن أولئك الإمام البخاري رحمه الله، ومنهم من منعه واختار إيراد الحديث كاملا كما سمعه.
وكما هو معلوم أن الإمام مسلم اختص بجمع طرق الحديث في مكان واحد بأسانيده المتعددة وألفاظه المختلفة، بخلاف البخاري فإنه قطعها في الأبواب بسبب استنباطه منها، وأورد كثيرًا منها في مظانِّه.
والإمام البخاري رحمه الله لم يكن يعجزه أن يسرد الأحاديث والطرق كلها في باب واحد فذاك أمر يسهل عليه، ولكنه سلك هذا المسلك لجملة من الأغراض الحديثية والفقهية ذكرها أهل العلم، فهي في الحقيقة مزية للبخاري وليست منقصة، ولذا قال الحافظ رحمه الله (مقدمة الفتح 13) :"وإذا امتاز مسلم بهذا فللبخاري في مقابلته من الفضل ما ضمَّنه في أبوابه من التراجم التي حيرت الأفكار وأدهشت العقول والأبصار"
فالبخاري رحمه الله يذكر الحديث في كتابه في مواضع، ويستدل به في كل باب بإسناد آخر، ويستخرج بحسن استنباطه، وغزارة فقهه معنىً يقتضيه الباب الذي أخرجه فيه، وقلَّما يورد حديثًا في موضعين بإسناد واحد ولفظ واحد، وإنما يورده من طريق أخرى لمعان وأغراض تشهد بإمامته وجلالته ورسوخ قدمه في هذا الفن:
ومن ذلك أنه قد يكون المتن قصيرا أو مرتبطًا بعضه ببعض، وقد اشتمل على حكمين فصاعدًا، فيعيده بحسب ذلك مراعيًا مع ذلك عدم إخلائه من فائدة حديثية، وهي إيراده له عن شيخ سوى الشيخ الذي أخرجه عنه قبل ذلك، فتستفيد بذلك تكثير الطرق لذلك الحديث.
وربما ضاق عليه مخرج الحديث حيث لا يكون له إلا طريق واحدة فيتصرف حينئذ فيه، فيورده في موضع موصولًا وفي موضع معلقًا، ويورده تارة تامًا وتارة مقتصرًا على طرفه الذي يحتاج إليه في ذلك الباب.
فإن كان المتن مشتملًا على جمل متعددة لا تعلق لإحداها بالأخرى فإنه يخرج كل جملة منها في باب مستقل فرارًا من التطويل، وربما نشط فساقه بتمامه.
وأما اقتصاره على بعض المتن وعدم ذكر الباقي في موضع آخر، فإنه لا يقع له ذلك في الغالب إلا حيث يكون المحذوف موقوفًا على الصحابي، وفيه شيء قد يحكم برفعه، فيقتصر على الجملة التي يحكم لها بالرفع، ويحذف الباقي لأنه لا تعلق له بموضوع كتابه، كما وقع له في حديث هزيل بن شرحبيل عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال:"إن أهل الإسلام لا يسيِّبون، وإن أهل الجاهلية كانوا يسيبون"، هكذا أورده وهو مختصر من حديث موقوف، أوله: جاء رجل إلى عبد الله بن مسعود فقال إني أعتقت عبدًا لي سائبة فمات وترك مالًا ولم يدع وارثًا، فقال عبد الله:"إن أهل الإسلام لا يسيبون، وإن أهل الجاهلية كانوا يسيبون، فأنت ولي نعمته فلك ميراثه، فإن تأثَّمتَ وتحرجتَ في شيء، فنحن نقبله منك، ونجعله في بيت المال"فاقتصر البخاري على ما يعطي حكم الرفع من هذا الحديث الموقوف، وهو قوله:"إن أهل الإسلام لا يسيبون"، لأن مما ليس للرأي فيه مدخل، واختصر الباقي لأنه ليس من موضوع كتابه.
فتبين أن البخاري رحمه الله لا يعيد الحديث إلا لفائده، لكن تارة تكون في المتن، وتارة في الإسناد وتارة فيهما، وحيث تكون في المتن خاصة لا يعيده بصورته بل يتصرف فيه، فإن كثرت طرقه أورد لكل باب طريقا، وإن قلت اختصر المتن أو الإسناد.
البخاري والنقل بالمعنى
وزعم أيضًا أن مما يسلب الاطمئنان والاعتماد على صحيح البخاري ويوجب عدم الوثوق به، أن قسمًا من أحاديثه قد رويت بالمعنى، ولم ينقلها مؤلف الصحيح بنفس اللفظ حسب ما سمعها من ناقليها، مستشهدًا بما نقله الخطيب في تاريخه والحافظ في مقدمته على الفتح وغيرهم عن البخاري نفسه وهو قوله:"رب حديث سمعته بالبصرة كتبته بالشام، ورب حديث سمعته بالشام كتبته بمصر، قيل له: يا أبا عبد الله بكماله، قال: فسكت، وقول الحافظ عند الكلام على حديث سحر النبي - صلى الله عليه وسلم - كما في الفتح (10/ 227) :"وهذا من نوادر ما وقع في البخاري أنه يخرج الحديث تامًا
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)