ـ عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال:"كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أجود الناس وأجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان جبريل ـ عليه السلام ـ يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فلرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أجود بالخير من الريح المرسلة"
"فدلك هذا على أنه ـ صلى الله عليه و سلم ـ أجود بني آدم على الإطلاق كما أنه أفضلهم و أعلمهم و أشجعهم و أكملهم في جميع الأوصاف الحميدة. و كان جوده بجميع أنواع الجود من بذل العلم و المال، و بذل نفسه لله تعالى في إظهار دينه و هداية عباده و إيصال النفع إليهم بكل طريق من إطعام جائعهم و وعظ جاهلهم و قضاء حوائجهم و تحمل أثقالهم، و لم يزل ـ صلى الله عليه و سلم ـ على هذه الخصال الحميدة منذ نشأ، و لهذا قالت له خديجة في أول مبعثه: (و الله لا يخزيك الله أبدًا إنك لتصل الرحم، و تقري الضيف، و تحمل الكل و تكسب المعدوم، و تعين على نوائب الحق) ."
ثم تزايدت هذه الخصال فيه بعد البعثة و تضاعفت أضعافًا كثيرة. و في الصحيحين عن أنس قال: (كان رسول الله صلى الله عليه و سلم أحسن الناس و أشجع الناس، و أجود الناس)
و في صحيح مسلم عنه قال: (ما سئل رسول الله ـ صلى الله عليه و سلم ـ على الإسلام شيئًا إلا أعطاه، فجاء رجل فأعطاه غنمًا بين جبلين فرجع إلى قومه فقال: يا قوم أسلموا فإن محمدًا يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة) ، و في رواية: أن رجلًا سأل النبي ـ صلى الله عليه و سلم ـ غنمًا بين جبلين، فأعطاه إياه فأتى قومه فقال: (يا قوم أسلموا فإن محمدًا يعطي عطاءً ما يخاف الفقر)
قال أنس: إن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا، فما يمسي حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا و ما عليها.
و فيه أيضًا عن صفوان بن أمية ـ رضي الله عنه ـ قال: لقد أعطاني رسول الله j صلى الله عليه و سلم ـ ما أعطاني و إنه لمن أبغض الناس إلي، فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إلي)
قال ابن شهاب: أعطاه يوم حنين مائة من النعم ثم مائة ثم مائة.
و في مغازي الواقدي: أن النبي ـ صلى الله عليه و سلم ـ أعطى صفوان يومئذ واديًا مملوء إبلًا و نعمًا، فقال صفوان: أشهد ما طابت بهذا إلا نفس نبي.
و في الصحيحين عن جبير بن مطعم ـ رضي الله عنه ـ: أن الأعراب علقوا بالنبي ـ صلى الله عليه و سلم ـ مرجعه من حنين يسألونه أن يقسم بينهم فقال: (لو كان لي عدد هذه العضاة نعمًا لقسمته بينكم ثم لا تجدوني بخيلًا و لا كذوبًا، و لا جبانًا)
و فيهما عن جابر ـ رضي الله عنه ـ قال: (ما سئل رسول الله ـ صلى الله عليه و سلم ـ شيئًا فقال: لا، و إنه قال لجابر: لو جاءنا مال البحرين لقد أعطيتك هكذا و هكذا و هكذا، و قال: بيديه جميعًا)
و خرج البخاري من حديث سهل بن سعد ـ رضي الله عنه ـ: (إن شملة أهديت للنبي ـ صلى الله عليه و سلم ـ فلبسها و هو محتاج إليها، فسأله إياها رجل فأعطاه، فلامه الناس و قالوا: كان محتاجًا إليها، و قد علمت أنه لا يرد سائلًا، فقال: إنما سألتها لتكون كفني فكانت كفنه)
و كان جوده ـ صلى الله عليه و سلم ـ كله لله، و في ابتغاء مرضاته فإنه كان يبذل المال إما لفقير، أو محتاج، أو ينفقه في سبيل الله، أو يتألف به على الإسلام من يقوي الإسلام بإسلامه، و كان يؤثر على نفسه و أهله و أولاده فيعطي عطاء يعجز عنه الملوك مثل كسرى و قيصر، و يعيش في نفسه عيش الفقراء، فيأتي عليه الشهر و الشهران لا يوقد في بيته نار، و ربما ربط على بطنه الحجر من الجوع، و كان قد أتاه صبي مرة فشكت إليه فاطمة ما تلقي من خدمة البيت و طلبت منه خادمًا يكفيها مؤنة بيتها، فأمرها أن تستعين بالتسبيح و التكبير و التحميد عند نومها، و قال: (لا أعطيك و أدع أهل الصفة تطوي بطونهم من الجوع) و كان جوده ـ صلى الله عليه و سلم ـ يتضاعف في شهر رمضان على غيره من الشهور، كما أن جود ربه تضاعف فيه أيضًا، فإن الله جبله على ما يحبه من الأخلاق الكريمة""
و قد قال بعض الشعراء يمتدح بعض الأجواد و لا يصلح أن يكون ذلك إلا لرسول الله ـ صلى الله عليه و سلم ـ.
لمست كفه أبتغي الغنى و لم أدر أن الجود من كفه يُعدي
وقال آخر:
تعود بسط الكف حتى لو انه ثناها لقبضٍ لم تجبه أناملُه
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)