الصفحة 26 من 37

البريد، وبين يدي محمد السّنديّ بن شاهك [1] فقال له: خذه فاحمله وجهّزه إلى أمير المؤمنين. فوكّل بي السّنديّ خليفته عبد الجبّار، فجهّزني وحملني.

فلمّا دخلت الرّقّة [141ا] أوصلت إلى الفضل بن الرّبيع، فقال لي: لا تلقينّ أحدا ولا تكلّمه حتى أوصلك إلى أمير المؤمنين وأنزلني منزلا أقمت فيه يومين أو ثلاثة، ثم استحضرني فقال: جئني وقت المغرب حتى أدخلك على أمير المؤمنين. فجئته، فأدخلني على الرّشيد، وهو جالس متفرّد، فسلّمت، فاستدناني، وأمرني بالجلوس، فجلست وقال لي: يا عبد الملك، وجّهت إليك بسبب جاريتين أهديتا إليّ، قد أخذتا طرفا من الأدب، أحببت أن تبور [2] ما عندهما، وتشير عليّ فيهما بما هو الصّواب عندك.

ثم قال: ليمض إلى عاتكة، فيقال لها: أحضري الجاريتين.

فحضرت جاريتان ما رأيت مثلهما قطّ، فقلت لأجلّهما: ما اسمك؟

قالت: فلانة، قلت: ما عندك من العلم؟ قالت: ما أمر الله به في كتابه، ثم ما ينظر النّاس فيه من الأشعار والآداب والأخبار.

فسألتها عن حروف من القرآن، فأجابتني كأنّها تقرأ الجواب من كتاب وسألتها عن النّحو والعروض والأخبار، فما قصّرت. فقلت: بارك الله فيك، فما قصّرت في جوابي في كلّ فنّ أخذت فيه، فإن كنت تقرضين الشّعر فأنشدينا.

فاندفعت في هذا الشعر: [من الخفيف]

يا غياث العباد في كلّ محل ... ما يريد العباد إلّا رضاك

لا ومن شرّف الإمام وأعلى ... ما أطاع الإله عبد عصاك

ومرّت في الشعر إلى آخره.

فقلت: يا أمير المؤمنين، ما رأيت امرأة في مسك [3] رجل مثلها.

وفاتحت الأخرى فوجدتها دونها. فقلت: ما تبلغ هذه منزلتها، إلّا أنها إن

(1) السندي بن شاهك، أبو منصور، ولي إمرة دمشق للمنصور، وكان ذميم الخلق، توفي ببغداد سنة 204هـ. (الوافي بالوفيات 15/ 487) .

(2) تبور: تختبر. القاموس.

(3) مسك: جلد. القاموس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت