فهرس الكتاب
وأدلة الشرع في النهي عن الغلو العملي كثيرة جدا، فالوقوع فيه: ارتكاب للنهي، ومعارضة لمقاصد الشريعة التي بنيت على التيسير والتخفيف . وإذا تأمل المسلم ما جرى في حادثة الإسراء والمعراج من فرضية الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ومراجعته ربه جل وعلا في تخفيف عدد الصلوات من خمسين إلى أن بلغ خمس صلوات؛ علم يقينا أن الشارع الحكيم لا يقصد في تكاليفه المشقة على العباد وإلحاق العنت بهم . فلم يبق لمن ألزم نفسه بالغلو في جزئيات الشريعة حجة . وكل ما تقدم في ذم من غلا في جزئية أو جزئيتين، أما من كثر غلوه في الجزئيات فلا ريب أن غلوه هذا يلحق بالغلو الاعتقادي.
وقد جرت سنة الله تعالى في هؤلاء الغالية في العمل: أن ينقطعوا عن العمل بالكلية، إلا من أراد هدايته فوفقه للرجوع إلى الطريق المستقيم . وهذا بينه صلى الله عليه وصلم فيما أخرجه البخاري ( 27) عن أبى هريرة رضي الله عنه:"إِنَّ هَذا الدِّينَ يُسْرٌ، وََلنْ يُشَادَّ الدِّينَ َأحَدٌ إِلَّا َغَل بَهُ، َفسَدِّدُوا وََقارِبُوا وََأبْشِرُوا" ( 28)
قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله - في"الفتح" ( 29) المشادة بالتشديد المغالبة، والمعنى:لا يتعمق أحد في الأعمال الدينية ويترك الرفق إلا عجز وانقطع؛ فيغلب . قال ابن المنير: في هذا الحديث علم من أعلام النبوة، ف قد رأينا ورأى الناس قبلنا أن كل متنطع في الدين ينقطع.. اه. وتلافيا للوقوع في هذا المزلق الخطير: أمر الشارع الحكيم بالقصد وهو الوسط في العمل . فقد بوب البخاري - رحمه الله - في صحيحه ( 30) باب القصد والمداومة على العمل، في كتاب الرقاق . وذكر فيه حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت:"سُئِل رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم َأيُّ الْأَعْمَالِ َأحَبُّ إَِلى اللَّهِ؟ قَال:"َأدْوَمُهَا وَإِنْ َقلَّ"وَقَال:"اكَلُفوا مِنَ الْأَعْمَالِ مَا تُطِيُقون" ( 31) "
3-فصل في الغلو في الحكم على الناس