الصفحة 14 من 94

سؤال محرج، إذا قال له: لا تقتله، واعصِ أمرَ الخليفة وقع في مشكلة، وإذا قال له: اقتله فقد أغضب الله عز وجل، قال له: الخليفة على الحق أم على الباطل في هذا الأمر؟ فالكرة رُدَّت إلى القاضي، فقال له: على الحق، فقال له: كن مع الحق، فلما خرج قال أبو حنيفة: أراد أن يقيدني فربطته.

قال له مرةً أبو جعفر: يا أبا حنيفة لو تغشيتنا ـ تعال إلى عندنا ـ قال: ولمَ أتغشاكم، وليس لي عندكم شيء أخافكم عليه، وهل يتغشاكم إلا من خافكم على شيء، قال له: إنك إن قربتني فتنتني وإن أبعدتني أزريتني، أيْ حقرتني.

ومرة دخل عليه خارجيان، والخوارج يُكَفِّرون بالذنب الصغير، فقالا له، وسيوفهما مصلتة ليقتلا: فلان فعل كذا وكذا، مسلم أم كافر؟ فإذا قال لهم: كافر قتلوه، وإذا قال لهم: مسلم قتلوه أيضًا، لأنهم يعتقدون أنه كافر، فقال لهم: هذا الرجل يهودي أم نصراني؟ فقالا: لا هو مسلم، قال: هذا هو الجواب، لقد أوتي عقلًا راجحًا، ويعني أن المتهم لديهم مسلم، ولا يُقتل.

أيها الإخوة الكرام، قالوا: يوم مات أبو حنيفة صُلِّيَ عليه ست مرات من كثرة الزحام، وكان الناس يزورون قبره أكثر من أربعين يومًا بعد وفاته، وروى أحدهم أنه رأى أبا حنيفة في النوم بعد موته، قال: يا أبا حنيفة إلام صرت؟ قال: إلى رحمة الله تعالى، قلت: بالعلم، قال: هيهات للعلم شروط وآفات، قَلَّ من ينجو منها، ولكن بمَ؟ قال: بقول الناس ما لم أكن عليه ـ يعني بما كان يُعمل من علمه، فبهذا نجا.

وروي أن رجلًا نال من أبي حنيفة ـ أي اغتابه ـ فقال أبو حنيفة: إن الله يعلم مني خلاف ما قلت ـ فالإنسان أحيانا يُتَّهَم وهو بريء ـ فَفَرِق الرجل، وقال: أسألك بالله، هل جعلتني في حل، فقد أخطأت في حقك، فازداد بكاءً، وقال: أنت في حل.

أردت من هذا الدرس أن نأخذ فكرة عن هذا الفقيه الكبير، الذي يتردد اسمه على الألسنة كثيرًا في كل يوم، أخي أنا حنفي، هذا مذهب أبي حنيفة، أبو حنيفة كان على قدر علمه ورعًا عاملًا مطَبِّقًا، وأرجو الله سبحانه وتعالى أن يكون هؤلاء العلماء الكبار العاملون قدوةً لنا في حياتنا.

والحمد لله رب العالمين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت