الصفحة 13 من 94

الثوب، ولم يبين العيب، فلما علم أبو حنيفة أن هذا البيع غير جائز تصدق بثمن الثوب كله.

وقال عنه يحيى بن سعيد:"كنت إذا رأيت أبا حنيفة علمت أنه يتقي الله"، الحقيقة يجب ألاّ نقول عن إنسان: إنه صاحب دين إذا كان يصلي فقط، بل يجب أن ترى دينَه في حديثه، وفي غض بصره، وفي استقامته، والدين لا يؤخذ من عبادات شكلية، بل يؤخذ من سلوك يومي.

قال:"لو وُزِنَ عقل أبي حنيفة بعقل نصف أهل الأرض لرجح بهم"، هذه من نعم الله الكبرى أن يؤتى الإنسان عقلًا راجحًا، وكان أبو حنيفة يتبين عقله في منطقه، ومشيه، ومدخله، ومخرجه.

يقول أبو حنيفة نقلا عن أبي يوسف قال: قال لي أبو حنيفة:"لا تسألني عن أمر الدين، وأنا ماش، ولا أنا قائم، ولا أنا متكئ، فإن هذه الأماكن لا يجتمع فيها عقل الرجل"، فالإنسان أحيانا بعد خطبة مضنية يُسأَل سؤالًا متعلقًا بالرضاع، أو بالميراث، فليعلمْ هذا الإنسان أنّ السؤال يحتاج الجواب عنه إلى فترةِ هدوء، وجلسة، وكتابة، أما أنْ يسأل وهو ماشٍ سؤالًا معقَّدًا في المواريث، فالإنسان السائل من حكمته أن يسأل في الوقت المناسب، وفي المكان المناسب، وفي الحالة المناسبة، فقد يطرح الإنسان سؤالًا في وقت غير مناسب، ويشعر أن الجواب مضطرب، لأن الوقت غير مناسب، والمكان غير مناسب، والحال غير مناسب، فلا تسألني عن أمر الدين، وأنا ماش، ولا أنا قائم، ولا أنا متكئ، فإن هذه الأماكن لا يجتمع فيها عقل الرجل.

روي أنا أبا حنيفة بلغه عن رجل أنه نال منه ـ اغتابه، فبعث إليه برفق وقال: غفر الله لك يا أخي، وكلتك إلى من يعلم مني خلاف ما قلت.

ومرة أجاز أبو جعفر المنصور أبا حنيفة بثلاثين ألف درهم ـ أعطاه الخليفة عطاءً ـ فلما قدم عليه بغداد قال: يا أمير المؤمنين، إنني غريب في بغداد، وليس لي منزل، فاجعلها في بيت المال ـ ضعها عندك أمانة، وليس عندي مكان أحفظها فيه ـ فإذا خرجت من بغداد أخذتها، قال له أبو جعفر: ليكن ذلك، فلما مات أبو حنيفة أخرجت ودائع الناس من بيته، فقال أبو جعفر: لقد خدعنا أبو حنيفة ـ يعني ما أخذ المال، وأعاده إليه بلطف، أي أنا الآن غريب في بغداد، وليس عندي بيت، فاجعلها في بيت المال، وحينما أغادر بغداد آخذها معي، ونسي أبو جعفر، وغادر بغداد، وما أخذها منه، وبعد أن مات أبو حنيفة قال أبو جعفر: لقد خدعنا أبو حنيفة، أي لم يأخذها، لقد تعفف عن ماله.

مرة كان أبو حنيفة عند أبي جعفر المنصور، و عنده قاضٍ من أعداء أبي حنيفة، كان ينكر عليه، فسأله سؤالًا محرجًا، قال له: إذا أمرني الخليفة بقتل امرئ، أأقتله أم أتريث؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت