الصفحة 12 من 94

فهل نبدأ بصنع طائرةٍ من تجربة العباس بن فرناس، أم من تجربة أحدث شركة طيران؟ هل من المعقول أن تهدر جهود ألف عام على الأرض، وتبدأ من العباس بن فرناس، وتصنع لنفسك جناحين، ثم تهبط ميتًا، أم تأخذ أحدث شركة، وتنظر أين وصلوا، وتبدأ من هنا، فإذا أحَبَّ الإنسان أن يلغي كل الفقه، وكل الاجتهاد، ويبحث هو عن الحكم الشرعي من الحديث مباشرةً، فكأنه أهدر جهود العلماء في ألف وخمسمائة عام.

لذلك كان أبو حنيفة كما قيل:"ما رأيت أحدًا أعلم بتفسير الحديث من أبي حنيفة".

قال: كنا نختلف في المسألة، فنأتي أبا حنيفة، فنسأله، فكأنما يخرجها من كمه فيدفعها إلينا، أحيانا الإنسان يفكر، ويحكُّ رأسه، ويقول اتركها لي حتى أراجعها، وقد تطرح سؤالًا على إنسان، وتجد الجواب جاهزًا، كأنه أمامه، كأنه أخرجه من كمه، هذه علامة علم عالية، علم راسخ.

سمعت أبا حنيفة يقول:"ما جاء عن رسول الله فعلى العين والرأس ـ لأنه معصوم ـ وما جاء عن أصحاب رسول الله اخترنا ـ لأنهم غير معصومين ـ وما كان غير ذلك فنحن رجال وهم رجال".

قالوا: كان أبو حنيفة خزازًا ـ يبيع الخز، القماش، فروي أن رجلًا جاءه فقال: يا أبا حنيفة، قد احتجت إلى ثوب خز، قال: ما لونه: قال: كذا وكذا، قال: اصبر حتى يقع، وآخذه لك، فما دارت الجمعة حتى وقع، فجاء الرجل وقال له أبو حنيفة: قد وقعت على حاجتك، ثم أخرج إليه ثوبًا، فأعجبه، قال: يا أبا حنيفة كم أزن للغلام؟ قال: درهمًا، قال: أتهزأ بي، قال: لا، والله، إني اشتريت ثوبين بعشرين دينارًا ودرهمًا، فبعت أحدهما بعشرين دينارًا، وبقي هذا بدرهم، وما كنت لأربح على صديق فأخذه، يعني أعطاه إياه بدرهم، لأنه قال له: يا أبا حنيفة أحسن بالبيع.

جاءت امرأة إلى أبي حنيفة بثوب تعرضه عليه، قال: بكم تبيعينه؟ قالت: بمائة درهم، قال لها: هو خير من ذلك، فقولي غير هذا القول، قالت: بمائتين، قال: هو خير من ذلك، قالت: بثلاثمائة، قال: هو خير من ذلك، قالت بأربعمائة، قال: هو خير من ذلك، وأنا آخذه بأربعمائة، حتى أربح به، وفي أيامنا هذه كيف يشتري التاجر، يعمد إلى أنْ يبخس الناس أشياءهم، فيأخذ نهبًا وغبنًا، عرضتْه بمائة درهم .. فقال لها: هو خير من ذلك، وآخذه بأربعمائة.

كان لأبي حنيفة شريك، فباع شريكه متاعًا، وكان في هذا المتاع عيبٌ، فقال له إذا بعت هذا الثوب فأَبِنْ عيبه، فالشريك باعه، ولم يُبِنْ عيبه، فلما علم أبو حنيفة تصدَّق بثمن المتاع كله، لأنّ البيع صار فيه شبهة، ولم يعرف من اشتراه ليبيِّن له العيب، الشريك باع

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت