الصفحة 3 من 94

الذي أردت أن أذكره لكم، أنّ الإنسان عندما يكون ورعًا ينوِّر الله عز وجل بصيرته، ويلهمه الصواب، ويفتح الآفاق أمامه، بالتعبير الحديث تفجر طاقاته.

قال عبد الله بن المبارك:"ما رأيت أحدًا أورع من أبي حنيفة"، وكلكم يعلم أن ركعتين من ورِع خير من ألف ركعة من مخلط، أما المخلط فهو الذي خلط عملًا صالحًا وآخر سيئًا، العمل الصالح مع السيئ، الصالح له قيمة عند الله، لكن الصالح إذا اختلط مع السيئ لا تستطيع من خلاله أن تتصل بالله، لأن العمل السيئ حجاب، فمثل هذا الإنسان قيمة، ولكن قيمة محدودة، كما لو أن الإنسان اشترى عجلة سيارة، فهذه ليست السيارة لن تستطيع أن تركبها، لن تستطيع أن تنطلق بها، لكن يمكن أن تبيعها، لها قيمة، ولكن محدودة، أما إذا ملكتَ مركبة متكاملة فهذه تركبها وتسير بها، فالإسلام كمنهج متكامل ينقلك إلى الله، وتصل به إلى الله، تتصل بالله، تسعد بالله، تقطف ثمار هذا الاتصال، أما إذا اخترت أشياء من الإسلام أعجبتك، وهي هينة عليك، ولا تزعجك، وفعلتها فقد تقطف ثمارها في الدنيا، أما أن تنقلك إلى الله فهذا شيء صعب جدًا، الإسلام منهج كامل، لا أقول لك: إما أن تأخذه كله، أو تدَعَهُ كله، هذا كلام أنا لا أقوله أبدًا، ولكن ينبغي أن تأخذه كله، لأنّ الإسلام منهج ينبغي أن تأخذه كله من أجل أن تقطف ثماره، يعني الدارة يجب أن تستمر.

مثلًا بيت فيه غسالة، مكيف، مسجلة، مروحة، براد، مكواة فيه عشرون أو ثلاثون آلة كهربائية، إذا لم يكن التيار متصلًا، فكل هذه الآلات لا قيمة لها، أما حينما يتصل التيار تعمل كل الآلات، والحقيقة أنّ تألق المسلم لا يكون إلا بطاعة الله، والإنسان يتألَّم أشدَّ الألم حين يرى مسلمًا محجوبًا عن الله بسبب تافه، لم ترتكب كبيرةً ولم تقترف جريمةً، ولم تأكل مالًا حرامًا، ولم تقع في جريمة الزنا، ولا في جريمة السرقة، ولا شرب الخمر، لكن من أجل إطلاق البصر، وبعض المخالفات الاجتماعية، وبعض التساهلات في البيع والشراء، فهذه الذنوب الصغيرة تحجبك عن الله كالكبائر، فأنت مغبون جدًا، لذلك إن الشيطان يئس أن يعبد في أرضكم، ولكن رضي مما دون ذلك مما تحقرون من أعمالكم، يقول لك: ماذا فعلنا؟ هذه لا شيء عليها، هذه الصغائر التي نصر عليها تنقلب إلى كبائر لذلك قال عبد الله بن المبارك: ما رأيت أحدًا أورع من أبي حنيفة.

وقول شداد بن الحكيم:"ما رأيت أحدًا أعلم من أبي حنيفة"، العلم والورع، وإن بعض الناس قد يكون مع الخط العريض، مع السواد الأعظم، مع الدهماء، مع سوقة الناس، يحيط به عدد، يقول لك: سكان القطر ثلاثة عشر مليونًا، فلتكنْ عَلَمًا بينهم، أليس هناك أعلام في القطر؟ لمَ لا تكون مِن هؤلاء الأعلام؟ هناك أعلام في الدنيا، وأعلام في الآخرة، هناك أعلام في الدنيا والآخرة، فالطموح من خصائص الإنسان،"ما رأيت أحدًا أعلم من أبي حنيفة، وما رأيت أحدًا أعلم من أبي حنيفة".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت