الصفحة 4 من 94

وقال مكي بن إبراهيم:"كان أعلم أهل زمانه"، وهنا نقطة دقيقة، فالتعليقات مهمة جدًا على هذا الموضوع، ذلك أننا كلنا ضعاف، كلنا لا نعلم، كلنا فقراء، كلنا لا حيلة لنا، لكنك إذا طلبت شيئًا صادقًا منحك الله إياه، فالتفاضل فيما بيننا لا في قدرات ذاتية أودعها الله فينا، لا، لكن التفاضل فيما بيننا في مدى صدقنا في طلبنا، اطلب أيها الإنسان! أيعجز أن يطلب مِن الله؟ أنا أعجب حينما يقول الله عز وجل في الحديث القدسي المروي عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ يُمْهِلُ حَتَّى إِذَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الأَوَّلُ نَزَلَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ هَلْ مِنْ تَائِبٍ هَلْ مِنْ سَائِلٍ هَلْ مِنْ دَاعٍ حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ""

[البخاري ومسلم وغيرهما]

رب العزة يقول لك: يا عبدي اسألني حاجتك، اطلب مني المغفرة؟ تُبْ لأتوب عليك، استغفر لأغفر لك، نحن ضعاف وربنا سبحانه وتعالى كريم، فيا أيها الأخ الكريم لا تكن من دهماء الناس، ولا من سوقتهم، ولا من الخط العريض من المجتمع، ولا مع الأكثرية الجاهلة، ولا مع الأكثرية التائهة، ولا مع الأكثرية الضالة، كن مع الأقلية الواعية.

قيل لأحدهم: صف لي أبا حنيفة، فقال:"كان واللهِ شديد الذبِّ عن محارم الله ـ أي الدفاع- يعني أنت حجم إيمانك بحجم غيرتك على دين الله - طويل الصمت، دائم الفكر، لم يكن مهدارًا ولا ثرثارًا صائنًا لدينه ونفسه، مشتغلًا بما هو فيه عن الناس لا يذكر أحدًا إلا بخير"، فقال أحد الخلفاء:"واللهِ هذه أخلاق الصالحين".

كان والله شديد الذب عن محارم الله، طويل الصمت، والهَذَر يُوصَف به مَن كثر كلامه، وكثر خطؤه، لكنّ أبا حنيفة طويل الصمت، دائم الفكر، لم يكن مهدارًا، لا يهدر وقته بلا طائل، تقضي ساعتين أو ثلاثًا لتشاهد أحداث قصة فتتعب أعصابك، وتحطم نفسك، وتشتهي، ولا تستطيع، تنتهي وقد ضعفت قواك، وضعفت معنوياتك، هذا هدر للوقت، وانحدار عن الطريق الصحيح، لم يكن مهدارًا ولا ثرثارًا، صائنًا لدينه ونفسه، مشتغلًا بما هو فيه عن الناس، فطوبى لمن شغله عيبُه عن عيوب الناس، لا يذكر أحدًا إلا بخير.

النبي صلى الله عليه وسلم علمنا، والسيد المسيح عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام كان مع الحواريين، فإذا بجيفة في الطريق، فقالوا: ما أشد نتن ريحها! فقال: ما أشد بياض أسنانها، أنت من الممكن أن تكتشف في الإنسان النواحي الإيجابية، وهذا أعظم شيء في الإنسان، هناك شخص قناص، يبحث عن الأخطاء عن المثالب، وعن العيوب، وعن نقاط الضعف في الإنسان، فيكبرها، ويشهر بها، ثم يفضحها، لكنْ هناك إنسان يبحث عن الإيجابيات، فيقدرها، وينميها، ثم يرعاها، وهذا هو المؤمن، يقرِّب ولا يبعِّد،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت