أيضًا من خصائص هذا الإمام العظيم أنه يأخذ بما صح عنده من الأحاديث التي يحملها الثقات، ومِن فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم، وهناك أحاديث كثيرة موضوعة، هذه تفرّق، وتشتت، وتضيع، يجب أن تحرص على صحة الحديث كما تحرص على سلامة دينك، لأن الدين في الأصل نقل، وأخطر ما في النقل صحَّتُه، لو اكتفينا بالصحاح لاجتمعنا بعد التفرق، لأحب بعضنا بعضًا، لكن ما من انحراف في السلوك أو في العقيدة إلا أساسه حديث ضعيف أو موضوع، الأحاديث التي وضعها الوضَّاعون هي التي تفرقنا، هي التي تضعفنا، هي التي تشتتُ شملنا، أما القرآن والسنة كما قلت من قبل، وأقول الآن هما اللذان يجمعاننا.
فيا أيها الإخوة الكرام، الإمام أبو حنيفة النعمان كان لا يأخذ إلا بما صح عنده من الأحاديث التي يحملها الثقات، وأنا أقول ولعله من باب المبالغة، قال بعضهم: صلى أبو حنيفة فيما حفظ عليه صلاة الفجر بوضوء العشاء أربعين سنةً، يعني أنه ما نام أبدًا! فهذا خبرٌ يطرح تساؤلًا، لأن الإنسان له طاقة، وله خصائص، ولقد سمعت قولًا لسيدنا عمر، أو قصة له أحجمتُ عن ذكرها مدة طويلة، ما توازنت مع العقل، خلاصتها: أنه لما جاءه من أذربيجان رسول عاملِه عليها، ودخل المسجد ليلًا ولم يذهب إلى بيته لئلا يوقظه، فرآه في المسجد، قال: من أنت؟ قال: أنا عمر، قال: أمير المؤمنين، قال: نعم، قال: يرحمك الله ألا تنام الليل؟ فالنص الذي كنت قد قرأته سابقًا، قال له عمر: إني إن نمت ليلي أضعت نفسي أمام ربي، وإن نمت نهاري أضعت رعيتي، معنى هذا أنه لا ينام الليل ولا النهار، وهذا فوق طاقة البشر فعن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِي اللَّه عنه عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ... أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ، وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي""
[البخاري ـ مسلم ـ النسائي ـ أحمد]
فليس من المعقول مِن إنسان لا ينام أبدًا، بل إذا لم ينَم الإنسان يومين يختل توازنه، قال تعالى:
[سورة النبأ]
فهذه الرواية، واللهُ أعلم أنه صلى صلاة الفجر بوضوء العشاء أربعين سنة مبالَغ فيها، فكان عامة الليل يقرأ جميع القرآن في ركعة واحدة، ستمائة صفحة في ركعة واحدة أيضًا، فهذا فوق طاقة البشر، فهذه الرواية مبالغ فيها أيضًا.