وعن أبي يوسف قال: بينما أنا أمشي مع أبي حنيفة إذ سمعت رجلًا يقول لرجل: هذا أبو حنيفة الذي لا ينام الليل، فقال أبو حنيفة: والِله لا يتحدث الناسُ عني بما لا أفعل ـ هذه الثانية توضح أن الأولى مبالغ بها ـ فكان يحيي بعضًا من الليل صلاةً، ودعاءً، وتضرعًا، هذه الرواية صحيحة، وتتوافق مع المنطق.
ويقول بعضهم:"ما رأيت رجلًا خيرًا من أبي حنيفة"، المؤمن الصادق مصدر خير، مصدر أمن، مصدر عطاء، بنى حياته على العطاء، محب للخير، وكما قيل: ألسنة الخلق أقلام الحق، فإذا أثنى على الإنسانِ الناسُ جميعًا فهذا دليل صلاحه، لذلك حينما أثنى بعض الصحابة على إنسان توفي زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال النبي وجبت، أيْ وجبت له الجنة، كما روى البخاري:"... أَيُّمَا مُسْلِمٍ شَهِدَ لَهُ أَرْبَعَةٌ بِخَيْرٍ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ قُلْنَا وَثَلاثَةٌ قَالَ وَثَلاثَةٌ قُلْتُ وَاثْنَانِ قَالَ وَاثْنَانِ ثُمَّ لَمْ نَسْأَلْهُ عَنِ الْوَاحِدِ"
[البخاري ـ الترمذي ـ النسائي ـ أحمد]
ما دام الناس يثنون عليه هذا الثناء ففي الأعم الأغلب أنه صالح، لذلك قالوا: ما رأيت رجلًا خيرًا من أبي حنيفة، وأبو حنيفة أفضل أهل زمانه.
وقال ابن عيينة:"كان أبو حنيفة أكثر الناس صلاةً"، الصلاة عماد الدين، وفي الدين قضية هامة، أنه مبني على شيئين؛ على سلوك صحيح، وعلى اتصال بالله، وأحيانًا الإنسان يميل إلى الضغط، ويميل إلى فهم الدين فهمًا مضغوطًا، قال الله عز وجل:
[سورة مريم]
الدين حركة نحو الله، وحركة نحو الخلق، نحو الخلق خدمةً، ونحو الله اتصالًا، إذا أردت أن تلخص الدين كله في كلمتين ح فهو إحسان للمخلوقين، واتصال بالخالق، لذلك قال ابن عيينة:"كان أبو حنيفة أكثر الناس صلاةً، وأعظمهم أمانةً، وأحسنهم مروءةً"، وفي الحديث الصحيح عَنْ أَنَسٍ قَالَ: مَا خَطَبَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلا قَالَ لا إِيمَانَ لِمَنْ لا أَمَانَةَ لَهُ وَلا دِينَ لِمَنْ لا عَهْدَ لَهُ"."
[أحمد]
أحيانًا الإنسان يهدر دينه كله بكلمة، كلمة كذب، بإخلاف وعد بنقض عهد، بخيانة أمانة، يهدر دينه، قولوا له: إنه أبطل جهاده مع رسول الله.
ذات مرة شاهدت بائعًا يبيع بندورة، وقد فَرَزَ قسمًا جيدًا عن قسمٍ سيِّئٍ جدًا، يبيع الجيد جدًا بست ليرات، والسيئ جدًا بليرتين، لاحظت رجلًا وضع من الجيد جدًا إلى ثلاثة أرباع