المراء في الدين يقسِّي القلب، ويورث الضغائن، سألني أخٌ يومًا سؤالًا فقال: فلان إنسان مبتدع، اتَّهم فلانًا بكذا وكذا، فما قولك؟ كلامه غلط، هو إنسان جاهل، وهذا الصواب، فأثار ضغائن، وأجَّجَ أحقادًا لم تكد تنتهي، أحد علماء حمص الأجلاء توفي رحمه الله، سمعت عنه أنه لا يجيب عن سؤال في موضوع أضيف إلى عالم وإنْ سألتَ فليكن سؤالك من دون أن تنسبه لمعيَّن، ووطِّن نفسك ألاّ تجيب عن سؤال في موضوع أُلصِق بعالم، أولًا لعله ما قال هذا الكلام، وأنت غلطت، عندنا مشكلة الأتباع، هذه مشكلة كبيرة جدًا، فالأتباع يسيئون ثلاث مرات؛ يسيئون الفهم، ويسيئون النقل، ويسيئون التصرف، فهمًا ونقلًا وتصرفًا، فمن أجل ألاّ تُفتت الأمة، وألاّ تشرذم، وألاّ نضعف، وألاّ يعادي بعضنا بعضًا، وألاّ يطعن بعضنا ببعض، فلا تجب عن سؤال في موضوع أُضِيفَ إلى عالم، أمّا لو سألتني: ما قولك في الشفاعة؟ لقلتُ لك رأيي في الشفاعة، ما قولك في هذا الحديث، هل هذا الحديث صحيح أم موضوع؟ يا سيدي فلان قال على المنبر: هذا الحديث صحيح، فهل هو صحيح، أم هو موضوع؟ يا بني هذا الحديث موضوع، يا سيدي سألنا، وقالوا: الحديث الذي قلته موضوع، هكذا يفعل بعض الناس، ترى الأتباع كلٌّ ينحاز إلى شيخه، ويدافع عنه ويطعن في الآخرين، وتنشب معركة، ونحن في غنى عنها، عاهدوا أنفسكم ألاّ تقبلوا فكرة مضافة إلى عالم، اسألني ألف سؤال، ولكن بلا ذكر عالم، ما قولك فيمن يقول كذا وكذا، ما قولك بالفكرة الفلانية، بالحديث الفلاني، هذا شيء جميل جدًا، وهذا الشيء يريح وتنتهي كل مشاكلنا ونبقى يحب بعضنا بعضًا، ويعاون بعضنا بعضًا، ينصر بعضنا بعضًا، يقدر بعضنا بعضًا.
"المراء في الدين يقسّي القلب، ويورث الضغائن".
فمن إخلاص الشافعي أنه قال:"وددت أن الناس تعلموا هذا العلم دون أن ينسب إلي"، طبعًا إذا اخترعت شيئًا، والثاني أخذ الاختراع، وادَّعاه لنفسه، فصاحبه الأول، يتألم، ويقول لك: هذا تزوير، إلا في الدين يا أخي خذ العلم، وانسبه لنفسك، وأنا أسامحك، ولكن علِّم الناس، فقدْ ترى إنسانًا يأخذ من كتابٍ خطبةً، ويلقيها فيعتقد الناس أنه هو الذي كتبها، قل: إنك أنت الذي كتبتها، ونحن نسامحك، ولا مانع.
أحيانا أسمع أن أناسًا أخذوا بعض الكتب، وخطبوا منها، ونجحوا نجاحًا كبيرًا، وما قالوا: إن هذه الخطبة مأخوذة من هذا الكتاب، ولا مانع، أنت تريد الحق أن ينتشر، وانتشر الحق، فقط في أمور الدين هناك تسامح.
فلذلك الشافعي يقول:"وددت أن الناس تعلموا هذا العلم دون أن ينسب إلي"، تعلَّم الشيء، وقل: هو من عندي نفسي، وأنت مسامح، ولكن علِّمه الناس، هذا الإخلاص.