يذهب أجمل ما فيها، حياتنا أجمل شيء فيها أنْ يكون لك جار محب، إذا سافرت يحفظ أهلك، أجمل شيء في الحياة أخ في الله معك دائمًا يعينك، سند لك، مستشار لك، معين بأفكاره، بعواطفه، بماله، بنصيحته، الحياة من دون قيم لا قيمة لها، والحياة من دون تعاون جحيم لا رحمة فيها، والحياة من دون حب لا خير فيها.
ذات يوم أقيم حفل وداع لأستاذ في الجامعة، كان أستاذا لنا، الحفل كان موفقًا جدًا، بعد أن أُلقِيت الكلمات في الإشادة بعلمه، وفضله قام هو خطيبًا، فقال: كل إنسان لا يشعر بحاجة إلى أن يُحِب الآخرين، أو أن يُحَب مِن قِبَل الآخرين، ومن لا يحِب ولا يُحَب فليس من بني البشر ـ ليس إنسانًا، بل هو وحش شرس.
يجب أن تشعر بحاجة هي أن تحِب، ماذا تحِب؟ أن تحب الله، أن تحب الحقيقة، أن تحب الأنبياء الكُمَّل، قمم البشر، أن تحب المؤمنين، أن تحب الكاملين، أن تحب المحسنين، إذا كان قلبك لا يخفق بحبٍ لإنسان كامل فأنت لست من بني البشر، وينبغي أن تشعر بحاجة لا إلى أن تُحِب فحسب، بل إلى أن تُحَب أيضًا، يجب أن تعطي من وقتك، ومن مالك، ومن عواطفك، ومن مشاعرك، ومن نصيحتك، ف الإنسان الذي لا يجد في نفسه حاجة إلى أن يُحِب، ولا إلى أن يُحَب فهذا ليس من بني البشر.
حياة من دون حب كزرع بغير ماءٍ، حياة من دون قيم لا قيمة لها، من دون أخ في الله صادق لا يكذبك، صالح لا يخونك، مخلص نحوك لا خيرَ لها، أنتم لا تعرفون قيمة، أن لك مسجدًا، ولك إخوانًا، هذه نعمة، واللهِ لا تقدر بثمن، الإنسان يأنس بإخوانه، يمكن أنه سمع الحديث سابقًا، لكن وجوده في المسجد ولقاءه مع إخوانه يلقي في قلبه الطمأنينة، كأنه غُسل، والإنسان يُشحن في الدرس ـ مرة جاءتني بطارية تُشحن بالكهرباء، فلما أنسى أن أشحنها، وأنا بحاجة إلى أن أستعملها ترى ضوءها خافتًا، يكاد ينطفئ، وحينما أشحنها جيدًا يصير ضوؤها كالشمس ـ قلت: هذا حال المؤمن أيضًا، فلابد له من شحن، أنت لا تقلل من قيمة هذا الدرس، درس العلم شحن، تشحن عواطفك، تشحن مشاعرك، تشحن أفكارك، تأخذ طاقة جديدة وتُغسَل أيضًا، لأنك دخلت إلى بيت الله عز وجل، ألا إنّ الإنسان إذا دخل بيت جاره أو صديقه فإنّه يكرمه ويضيفه، ولو بالماء، فالحد الأدنى الأدنى الأدنى شربة ماء بارد، وإذا دخلت إلى المسجد فأنت في بيت من بيوت الله، وحقٌّ على المزور أن يكرم الزائر، لكن الله لا يضيفك شيئًا تأكله، بل يقذف بالسعادة فإذا هي تملأ نفسك، وطمأنينة، وتوفيقًا في حياتك، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:"... إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلْيَقُلِ اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ وَإِذَا خَرَجَ فَلْيَقُلِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ".
[مسلم ـ الدارمي ـ النسائي ـ أحمد ـ أبي داود ـ ابن ماجة]