في بحبوحة من العيش، قد يتفاوتون في الرزق ولكنهم جميعًا مكتفون، وليس فيهم كلٌّ على آخر وإن كانوا جميعًا يتعاونون [1] وبعد بيان العلة في توزيع أموال الفئ عقب سبحانه بأمر المسلمين بأن يأخذوا ماأتى به الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأن ينتهوا عمّا نهاهم عنه، وأن هذا من لوازم الإيمان، وأمرهم بالتقوى، فإن عقابه شديد وأليم للعصاة. قال تعالى: {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا ءَاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} (سورة الحشر، آية:7) .
أي: ماأمركم به الرسول - صلى الله عليه وسلم - فافعلوه، ومانهاكم عنه فاجتنبوه، فإنه إنما يأمركم بكل خير وصلاح، وينهى عن كل شر وفساد.
وقوله: {وَاتَّقُوا اللَّهَ} : خافوا ربكم بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه.
وقوله: {إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} :أي فإن عقابه أليم وعذابه شديد لمن عصاه وخالف ماأمره به، قال المفسرون: والآية وإن نزلت في أموال الفئ، إلا أنها عامة في كل ماأمر الله به النبي - صلى الله عليه وسلم - أو نهى عنه من واجب أو مندوب، أو مستحب، أو محرم، فيدخل فيها الفئ وغيره [2] ، وقد جاءت آيات كثيرة تربي الأمة على وجوب الانقياد لحكم الله تعالى، ولحكم رسوله - صلى الله عليه وسلم - وذلك في كل الأمور قال تعالى: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} (سورة النساء، آية:65) .
وقال - صلى الله عليه وسلم: (دعوني ماتركتم، إنما هلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على
(1) انظر: فقه السيرة للبوطي، ص 194.
(2) انظر: تفسير الرازي (29/ 28) ، صفوة التفاسير (3/ 351) .