فهرس الكتاب

الصفحة 1055 من 1638

فقال له: اذهب بجابر، فأعطه أوقية، قال: فذهبت معه، فأعطاني أوقية، وزادني شيئًا يسيرًا. قال: فوالله مازال يَنْمى عندي، ويرى مكانه من بيتنا ... ) [1] .

في هذه القصة صورة جميلة ورفيعة لخلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع أصحابه من حيث لطف الحديث، والتواضع الرفيع، ورقة الحديث وفكاهة المحاورة ومحبة شديدة لأصحابه والوقوف على أحوالهم والمواساة في مشكلاتهم الإجتماعية ماديًا ومعنويًا، فقد شعر الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن سبب تأخر جابر عن الركب هو ضعف جمله الذي لايملك غيره لبؤس حاله، حيث إن والده مات شهيدًا في أحد وترك له مجموعة من البنات والأولاد ليرعاهم، وهو مقل في الرزق، فأراد الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن ينتهز هذه الفرصة ليواسيه ويقدم له مايستطيع من مال مبارك [2] .

أي لطف هذا، وأية مواساة هذه، وأية طمأنة وإحسان صحبة، في أوبة من غزوة، بلا تكلف، ولاتهيؤ ولااستعداد سابق: أبرأ جمله وقواه له، بلمسه خارقة، ومعجزة ظاهرة، ثم وهبه إياه بعد أن نفذه ثمنه، ثم احتفى به فأمر فنحر القوم الجزور لتستعد عروسه لاستقباله، ثم طمأنه عن نعيم منظور، وغنى مذخور في جيب الأيام.

تلك من نماذج الأخلاق النبوية، التي تحلى بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والتي حلاه بها ربه الذي بعثه ليتم به مكارم الأخلاق وبهذا الأسلوب الهادئ الورع، الرفيق الرقيق، يتعلِّم الربانيون، حسن الصحبة، وصدق الأخوة وبر الخلة والمصاحبة [3] .

(1) انظر: البداية والنهاية (4/ 88) قال ابن كثير هذا الحديث له طرق كثيرة عن جابر وألفاظه كثيرة وفيه اختلاف كثير.

(2) انظر: فقه السيرة للبوطي، ص 212،213؛ وانظر: السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية، ص 429.

(3) انظر: صور وعبر من الجهاد النبوي في المدينة، ص 181.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت