إن موقف الصحابة من هذا الصلح يحمل في طياته ثلاثة معان:
أ-أنه يؤكد شجاعة المسلمين الأدبية في إبداء الرأي، والمشورة في أي أمر يخص الجماعة، إذا دعت الحاجة إلى ذلك.
ب-أنه يكشف عن جوهر المسلمين وعن حقيقة اتصالهم بالله ورسوله وبالإسلام.
جـ-أنه يبين ماتمتلئ به الروح المعنوية لدى المسلمين من قدرة على مواجهة المواقف الحرجة بالصبر والرغبة القوية، في قهر العدو مهما كثر عدده وعتاده أو تعدد حلفاؤه [1] .
2 -اهتمام الرسول - صلى الله عليه وسلم - ببث الإشاعات في صفوف الأعداء:
استخدم النبي - صلى الله عليه وسلم - سلاح التشكيك والدعاية لتمزيق مابين الأحزاب من ثقة وتضامن، فلقد كان يعلم - صلى الله عليه وسلم - أن هناك تصدعًا خفيفًا بين صفوف الأحزاب فاجتهد أن يبرزه ويوسع شقته ويستغله في جانبه فقد سبق أن أطمع غطفان ففكك عزمها والآن ساق المولى عزوجل نعيم بن مسعود الغطفاني إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليعلن إسلامه وقال له: يارسول الله: إن قومي لم يعلموا بإسلامي فمرني بما شئت، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم: إنما أنت فينا رجل واحد فخذل عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة [2] .
فقام نعيم بزرع الشك بين الأطراف المتحالفة بأمر من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأغرى اليهود بطلب رهائن من قريش لئلا تدعهم وتنصرف عن الحصار، وقال لقريش بأن اليهود إنما تطلب الرهائن لتسليمها للمسلمين ثمنًا لعودتها إلى صلحهم، لقد اشتهرت قصة نعيم بن مسعود في أنها لاتتنافى مع قواعد السياسة الشرعية فالحرب خدعة [3] .
وقد نجحت دعاية نعيم بن مسعود أيما نجاح، فغرست روح التشكيك، وعدم الثقة
(1) انظر: القيادة العسكرية في عهد الرسول، ص 415،416.
(2) انظر: البداية والنهاية (4/ 113) .
(3) انظر: السيرة النبوية الصحيحة (2/ 430) .