في الجاهلية فكيف وقد أعزهم الله تعالى بالإسلام وقد أُعجب النبي - صلى الله عليه وسلم - بجواب سعد وتبين له منه ارتفاع معنوية الأنصار واحتفاظهم بالروح المعنوية العالية، فألغى بذلك مابدأ به من الصلح مع غطفان [1] .
وفي قوله - صلى الله عليه وسلم - (إني قد علمت أن العرب قد رمتكم عن قوس واحدة) [2] دليل على أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يستهدف من عمله ألاّ يجتمع الأعداء عليه صفًا واحدًا وهذا يرشد المسلمين إلى عدة أمور منها:
-أن يحاول المسلمون التفتيش عن ثغرات القوى المعادية.
-أن يكون الهدف الاستراتيجي للقيادة المسلمة تحييد من تستطيع تحييده ولاتنسى القيادة الفتوى والشورى والمصلحة الآنية والمستقبلية للإسلام [3] .
وفي استشارة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للصحابة يبين لنا أسلوبه في القيادة وحرصه على فرض الشورى في كل أمر عسكري يتصل بالجماعة، فالأمر شورى ولاينفرد به فرد حتى ولو كان هذا الفرد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طالما الأمر في دائرة الاجتهاد ولم ينزل به وحي [4] .
إن قبول الرسول - صلى الله عليه وسلم - رأي الصحابة في رفض هذا الصلح يدل على أن القائد الناجح هو الذي يربط بينه وبين جنده رباط الثقة، حيث يعرف قدرهم ويدركون قدره، ويحترم رأيهم ويحترمون رأيه، ومصالحة النبي - صلى الله عليه وسلم - مع قائدي غطفان تعد من باب السياسة الشرعية التي تراعى فيها المصالح والمفاسد حسب ماتراه القيادة الرشيدة للأمة [5] .
(1) انظر: التاريخ الاسلامي للحميدي (6/ 125) .
(2) انظر: البداية والنهاية (4/ 106) .
(3) انظر: الأساس في السنّة (2/ 687)
(4) انظر: العبقرية العسكرية في غزوات الرسول، ص 414.
(5) انظر: القيادة العسكرية في عهد الرسول، ص 414.