فهرس الكتاب

الصفحة 1147 من 1638

إلا في بني قريظة) [1] فبعضهم فهم منه المراد الاستعجال، فصلى العصر لما دخل وقته وبعضهم أخذ بالظاهر فلم يصلي إلا في بني قريظة ولم يعنف النبي - صلى الله عليه وسلم - أحدًا منهم أو عاتبه، ففي ذلك دلالة هامة على أصل من الأصول الشرعية الكبرى وهو تقرير مبدأ الخلاف في مسائل الفروع، واعتبار كل من المتخالفين معذورًا ومثابًا، كما أن فيه تقريرًا لمبدأ الاجتهاد في استنباط الأحكام الشرعية، وفيه مايدل على أن استئصال الخلاف في مسائل الفروع التي تنبع من دلالات ظنية أمر لايمكن أن يتصور أو يتم [2] .

إن السعي في محاولة القضاء على الخلاف في مسائل الفروع، معاندة للحكمة الربانية والتدبير الإلهي في تشريعه، عدا أنه ضرب من العبث الباطل، إذ كيف تضمن انتزاع الخلاف في مسألة مادام دليلها ظنيًا محتملًا؟ .. ولو أمكن ذلك أن يتم في عصرنا، لكان أولى العصور به عصر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولكان أولى الناس بأن لايختلفوا هم أصحابه، فما بالهم اختلفوا مع ذلك كما رأيت [3] وفي الحديث السابق من الفقه أنه لايعاب على من أخذ بظاهر حديث نبوي أو آية من كتاب الله، كما لايعاب من استنبط من النص معنى يخصه. وفيه أيضًا أن المختلفين في الفروع من المجتهدين لا إثم على المخطئ فقد قال - صلى الله عليه وسلم: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد) [4] .

وحاصل ماوقع أن بعض الصحابة حملوا النهي على حقيقته ولم يبالوا بخروج الوقت -وقت الصلاة- توجيهًا لهذا النهي الخاص على النهي العام عن تأخير الصلاة

(1) البخاري، كتاب المغازي، (5/ 60) رقم 4119.

(2) انظر: فقه السيرة النبوية للبوطي، ص 226.

(3) انظر: فقه السيرة للبوطي، ص 226.

(4) سنن ابي داود (3557) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت