بالنفس وداخل الذات. وضم الملك إياه ثم إرساله ثلاث مرات قائلًا في كل مرة: اقرأ، يعتبر تأكيدًا لهذا التلقي الخارجي ومبالغة في نفي ماقد يتصور، من أن الأمر لايعدو كونه خيالًا داخليًا فقط.
ولقد أصيب النبي - صلى الله عليه وسلم - بالرعب والخوف مما سمع ورأى وأسرع إلى بيته يرجف فؤاده وهذا يدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن متشوقًا للرسالة التي سيكلف بثقلها وتبليغها للناس [1] وقد قال تعالى تأكيدًا لهذا المعنى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ - صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَلاَ إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ -} (سورة الشورى، الآيتان:52،53) .
قال تعالى: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ - قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ -} (سورة يونس، الآيتان:15،16) .
لقد تساقطت آراء المشكيين في حقيقة الوحي أمام الحديث الصحيح الذي حدثتنا به السيدة عائشة رضي الله عنها وقد استمر الوحي بعد ذلك يحمل الدلالة نفسها على حقيقة الوحي وأنه ليس كما أراد المشككون وقد أجمل الدكتور البوطي هذه الدلالة فيما يلي:
1 -التمييز الواضح بين القرآن والحديث، إذ كان يأمر بتسجيل الأول فورًا، على حين يكتفي بأن يستودع الثاني ذاكرة أصحابه، لأن الحديث كلام من عنده لاعلاقة للنبوة به، بل لأن القرآن موحي به إليه بنفس اللفظ والحروف بواسطة جبريل عليه
(1) نفس المصدر، ص 64.