رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يلقى من الوحي شدة وتعب وثقل كما قال تعالى: {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا} (سورة المزمل، آية:5) . كان في ذلك حكمة عظيمة لعل منها: بيان أهمية هذا الدين وعظمته وشدة الإهتمام به، وبيان للأمة أن دينها الذي تتنعم به ماجاءها إلا بعد شدة وكرب [1] ،
إن ظاهرة الوحي معجزة خارقة للسنن والقوانين الطبيعية حيث تلقَّى النبي - صلى الله عليه وسلم - كلام الله (القرآن) بواسطة المَلَك جبريل (عليه السلام) وبالتالي فلا صلة لظاهرة الوحي بالإلهام أو التأمل الباطني أو الإستشعار الداخلي، بل إن الوحي يتم من خارج ذات النبي - صلى الله عليه وسلم -، وتنحصر وظيفته بحفظ الموحي وتبليغه وأما بيانه وتفسيره فيتم بأسلوب النبي كما يظهر في أحاديثه وأقواله - صلى الله عليه وسلم - [2] .
إن حقيقة الوحي هي الأساس الذي تترتب عليه جميع حقائق الدين بعقائده وتشريعاته وأخلاقه ولذلك اهتم المستشرقون والملاحدة من قبلهم بالطعن والتشكيك في حقيقة الوحي وحاولوا أن يأولوا ظاهرة الوحي ويحرفوها عن حقيقتها عما جاءنا في صحاح السنة الشريفة، وحدثنا به المؤرخون الثقات، فقائل يقول أن محمد - صلى الله عليه وسلم - تعلم القرآن ومبادئ الإسلام من بحيرا الراهب، وبعضهم قال بأن محمدًا كان رجلًا عصبيًا أو مصابًا بداء الصرع [3] .
والحقيقة تقول أن محمد عليه الصلاة والسلام وهو في غار حراء فوجئ بجبريل أمامه يراه بعينه، وهو يقول له اقرأ، حتى يتبين أن ظاهرة الوحي ليست أمرًا ذاتيًا داخليًا مرده إلى حديث النفس المجرد، وإنما هو استقبال وتلقِّ لحقيقة خارجية لاعلاقة لها
(1) نفس المصدر، ص 30، 31.
(2) انظر: السيرة النبوية الصحيحة للعمري (1/ 129) .
(3) انظر: فقه السيرة النبوية للبوطي، ص 64.