وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة؛ مانقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا؛ فإنما هي إحدى الحسنيين: إما ظهور، وإما شهادة، فألهبت كلماته مشاعر المجاهدين، واندفع زيد بن حارثة بالناس الى منطقة مؤتة جنوب الكرك يسير حيث آثر الاصطدام بالروم هناك، فكانت ملحمة سجل فيها القادة الثلاثة بطولة عظيمة انتهت باستشهادهم [1] ، فقد استبسل زيد بن حارثة وتوغل في صفوف الأعداء وهو يحمل راية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى شاط في رماح القوم [2] .
ثم أخذ الراية جعفر وانبرى يتصدى لجموع المشركين الصليبيين، فكثفوا حملاتهم عليه، وأحاطوا به إحاطة السوار بالمعصم، فلم تلن له قناة، ولم تهن له عزيمة، بل استمر في القتال وزيادة في الإقدام ونزل عن فرسه وعقرها، وأخذ ينشد:
ياحبذا الجنة واقترابُها
طيبة وباردًا شرابُها
والروم روم قد دنا عذابها
كافرة بعيدة أنسابُها
عليَّ إذ لاقيتها ضِرابُها [3]
لقد أخذ - رضي الله عنه - عنه اللواء بيده اليمنى فقطعت، فأخذه بشماله فقطعت فاحتضنه بعضديه وانحنى عليه حتى استشهد وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، ولقد أثخن - رضي الله عنه - بالجراح إذ بلغ عدد جراحه تسعين بين طعنة برمح أو ضربة بسيف أو رمية بسهم وليس من بينهما جرح في ظهره بل كلها في صدره [4] .
(1) انظر: السيرة النبوية الصحيحة (2/ 468) .
(2) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (4/ 25) .
(3) نفس المصدر (4/ 26) .
(4) انظر: الصراع مع الصليبيين، ص 58.