ويمكن القول إن خالدًا بخطته تلك، قد أنقذ الله المسلمين به من هزيمة ماحقة، وقتل محقق وان انسحابه كان قمة النصر بالنسبة الى ظروف المعركة، حيث يكون الانسحاب، في ظروف مماثلة، أصعب حركات القتال، بل أجداها وأنفعها [1] .
خامسًا: معجزة للرسول - صلى الله عليه وسلم - وموقف أهل المدينة من الجيش:
ظهرت معجزة للرسول - صلى الله عليه وسلم - في أمر هذه السرية فقد نعى المسلمين في المدينة زيدًا وجعفرًا وابن أبي رواحة قبل أن يصل إليه خبرهم، وحزن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما وقع للسرية وذرفت عيناه الدموع ثم أخبرهم باستلام خالد للراية، وبشرهم بالفتح على يديه واسماه سيف الله [2] ، وبعد ذلك قدم من أخبرهم بأخبار السرية، ولم يزد عما أخبرهم به النبي - صلى الله عليه وسلم - [3] .
ولما دنا الجيش من حول المدينة، تلقاهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون ولقيهم الصبيان يشتدون، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - مقبل مع القوم على دابة فقال: خذو الصبيان واحملوهم، وأعطوني ابن جعفر، فأتي بعبدالله، فأخذه، فحمله على يديه، وجعل الناس يحثون عل الجيش التراب ويقولون يافُرّار افررتم في سبيل الله، ويقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليسوا بالفرار، ولكنهم الكرار إن شار الله تعالى [4] .
وإن الانسان ليعجب من هذه التربية النبوية التي صنعت من الاطفال الصغار، رجالًا وأبطالًا يرون العودة من المعركة دون شهادة في سبيل الله، فرارًا من سبيل الله، لا يكافأون عليه إلا بحثو التراب في وجوههم، فأين شبابنا المتسكعون في الشوارع، من هذه النماذج الرفيعة من الرجولة الفذة المبكرة؟ ولن تستطيع الأمة أن ترتفع الى هذه
(1) انظر: معارك خالد بن الوليد، ص 175.
(2) انظر: نظرة النعيم (1/ 360) .
(3) انظر: البداية والنهاية، (4/ 255) .
(4) انظر: السيرة النبوية للندوي، ص 328؛ تاريخ الذهبي، ص 491.