فهرس الكتاب

الصفحة 1335 من 1638

الانسحاب.

ب- لبلوغ هذا الهدف، لابد من تضليل العدو بإيهامه أن مددًا قد ورد الى جيش المسلمين فيخفف من ضغطه وهجماته ويتمكن المسلمون من الانسحاب، وصمد خالد حتى المساء عملًا بهذه الخطة، وغيرّ، في ظلام الليل، مراكز المقاتلين في جيشه، فاستبدل الميمنة بالميسرة، ومقدمة القلب بالمؤخرة. وفي أثناء عملية الاستبدال اصطنع ضجة صاخبة وجلبة قوية، ثم حمل على العدو، عند الفجر، بهجمات سريعة متتالية وقوية ليُدخل في روعه إن إمدادات كثيرة وصلت الى المسلمين [1] .

ونجحت الخطة، إذ بدا للعدو صباحًا أن الوجوه والرايات التي تواجهه جديدة لم يرها من قبل، وأن المسلمين يقومون بهجمات عنيفة، فأيقن أنهم تلقوا إمدادات، وأن جيشًا جديدًا نزل الى الميدان، وكان البلاء الحسن الذي أبلاه المسلمون قد فتَّ في عضد الروم وحلفائهم، فأدركوا أن إحراز نصر حاسم ونهائي على المسلمين أمر مستحيل، فتخاذلوا وتقاعسوا عن متابعة الهجوم، وضعف نشاطهم واندفاعهم، فخف الضغط عن جيش المسلمين، وانتهز خالد الفرصة فباشر الانسحاب وكانت عملية التراجع التي قام بها خالد في أثناء معركة (مؤتة) من أكثر العلميات في التاريخ العسكري مهارة ونجاحًا، بل إنها تتفق وتتلائم مع التكتيك الحديث للانسحاب، فقد عمد خالد الى سحب الجناحين بحماية القلب، ولما أصبح الجناحين بمنأى عن العدو، وفي مأمن منه، عمد الى سحب القلب بحماية الجناحين، الى أن تمكن وضمن سلامة الانسحاب كليًا [2] ، ويقول المؤرخون إن خسارة المسلمين لم تتعد الاثنى عشر قتيلًا في هذه المعركة، وان خالدًا قال: (لقد انقطع في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف، فما بقي إلا صفيحة يمانية [3] .

(1) البداية والنهاية (4/ 247) ؛ الواقدي (2/ 764) .

(2) انظر: معارك خالد بن الوليد، د. ياسين سويد، ص 173.

(3) البخاري، كتاب المغازي (5/ 103) رقم 4266.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت