هذا موقف عظيم من النبي - صلى الله عليه وسلم - في حماية القادة والأمراء من أن يتعرضوا للإهانة بسبب الأخطاء التي قد تقع منهم، فهم بشر معرضون للخطأ، فينبغي السعي في إصلاح خطئهم من غير تنقُّص ولا إهانة، فخالد حين يمنع ذلك المجاهد سلبه لم يقصد الإساءة إليه وإنما اجتهد فغلَّب جانب المصلحة العامة، حيث استكثر ذلك السلب على فرد واحد، ورأى أنه إذا دخل في الغنيمة العامة نفع عددًا أكبر من المجاهدين، وعوف بن مالك ادى مهمته في الإنكار على خالد، ثم رفع الأمر الى الى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حينما لم يقبل خالد قوله، وكان المفترض أن تكون مهمته قد انتهت بذلك، لأنه -والحال هذه- قد دخل في أمر من أوامر الإصلاح، وقد تم الإصلاح على يده، ولكنه تجاوز هذه المهمة حيث حوّل القضية من قضية إصلاحية الى قضية شخصية، فأظهر شيئًا من التشفي من خالد، ولم يقره النبي - صلى الله عليه وسلم - على ذلك، بل أنكر عليه إنكارًا شديدًا وبين حق الولاة على جنودهم، وكون النبي - صلى الله عليه وسلم - أمرا خالدًا بعد رد السلب على صاحبه لا يعني أن حق ذلك المجاهد قد ضاع، لأنه لايمكن أن يأخذ رسول الل - صلى الله عليه وسلم - إنسانًا بجريرة غيره، فلابد أن ذلك المجاهد قد حصل منه الرضى، إما بتعويض عن ذلك السلب أو بتنازل منه أو غير ذلك فيما لم يذكر تفصيله في الخبر [1] .
إن الأمة التي لا تقدر رجالها ولا تحترمهم لايمكن أن يقوم فيها نظام، إن التربية النبوية استطاعت بناء هذه الأمة بناءً سليمًا، وما أحرى المسلمين اليوم أن يكون كل إنسان في مكانه وأن يحترم ويقدر، بمقدار مايقدم لهذا الدين، ويبقى الجميع بعد ذلك في الاطار العام الذي وصف الله به المؤمنين: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ
(1) انظر: التاريخ الاسلامي للحميدي (7/ 130) .