وقلت: إني سمعت الله يقول: {وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} (سورة النساء، آية 29) فضحك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يقل شيئًا [1] ، وقد استُنبط بعض الاحكام من هذه القصة:
أ- التيمم يقوم مقام الغسل بالنسبة للجنب مع وجود الماء اذا خشي أن يؤدي استخدام الماء الى الضرر، فلقد تيمم عمرو بن العاص لما أصبح جنبًا مع وجود الماء عنده وصلى وأقره الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولم ينكر عليه.
ب- يجوز الاجتهاد في عهده - صلى الله عليه وسلم: فقد اجتهد عمرو بن العاص فتوضأ واغتسل وصلى وقد احتلم في تلك الليلة الباردة اعتمادًا على قوله تعالى: {وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} (سورة النساء، الآية 29) فلم ينكر عليه الرسول - صلى الله عليه وسلم - اجتهاده بل أقره على أمرين: الأول: جواز الاجتهاد، والثاني تصحيح اجتهاده.
ج- من الأسباب المبيحة للتيمم تعذر استخدام الماء وإن وجد كالبرد الشديد.
د- تجوز إمامة المتيمم بالمتوضيء: فقد صلى عمرو بن العاص وهو متيمم إمامًا بخمسمائة صحابي قد توظأوا، وأقره الرسول على ذلك ولم ينكر عليه.
هـ- اجتهاد عمرو بن العاص يدل على فقهه ووفور عقله، ودقة استنباطه الحكم من دليله [2] ؛ ولئن وقف الفقهاء عند هذه الحادثة يفرعون عليها الأحكام فإن الذي يستوقفنا [3] في السيرة منها تلك السرعة في أخذ عمرو للقرآن وصلته به حتى بات قادرًا على فقه الأمور من خلال الآيات وهو لم يمض على إسلامه أربعة أشهر، إنه الحرص على الفقه في دين الله، وقد يكون عمرو -وهذا احتمال وارد- على صلة بالقرآن قبل إسلامه يتتبع مايستطيع الوصول إليه، وحينئذ نكون أمام مثال آخر من عظمة هذا
(1) انظر: صحيح السيرة النبوية، ص 509 قال ابراهيم العلي: الحديث اسناده صحيح.
(2) انظر: غزوة الحديبية لأبي فارس، ص 210.
(3) القائل هو صالح احمد الشامي صاحب معين السيرة، ص 381.