كان ينظمه الشعراء، مع أن كل من قارن بين القرآن وبين أشعار العرب يعلم أنه مختلف عنها: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْءَانٌ مُبِين - لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ -} (سورة يس، الآيتان:69 - 70) وكيف يكون القرآن شعرًا وقد نزل فيه ذم للشعراء الذين يضلون الناس ويقولون خلاف الحقيقة [1] .
{وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ [2] - أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ [3] - وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ -} (سورة الشعراء، الآيتان:224 - 226) فهو كلام الله المنزل على رسوله، وليس شبيهًا بقول الشعراء، ولابقول الكهان: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ - وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ - وَلاَ بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ - تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ -} (سورة الحاقة، الآيات:40 - 43) .
وقد أدرك الشعراء قبل غيرهم أن القرآن الكريم ليس شعرًا [4] ومن فرط تكذيبهم وعنادهم قالوا: إن محمدًا يتعلم القرآن من رجل أعجمي [5] ، كان غلامًا لبعض بطون قريش، وكان بياعًا يبيع عند الصفا، وربما كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يجلس إليه ويكلمه بعض الشيء. وذاك كان أعجمي اللسان لايعرف من العربية إلا اليسير، بقدر مايرد جواب الخطاب فيما لابد منه، ولهذا قال تعالى: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ} (سورة النحل، الآية:103) .
أي فكيف يتعلم من جاء بهذا القرآن من فصاحته وبلاغته ومعانيه التامة الشاملة
(1) نفس المصدر (3/ 59) .
(2) يعني: الضالون.
(3) انظر: رسالة الانبياء (3/ 59) .
(4) انظر: رسالة الانبياء (3/ 59) .
(5) انظر: تهذيب السيرة (1/ 74،90) .