فهرس الكتاب

الصفحة 312 من 1638

أليها طيحنها. قالتا: أو نفرغ منه ياأبا بكر ثم نرده إليها؟ قال: وذلك إن شئتما [1] .

وهنا وقفة تأمل ترينا كيف سوى الاسلام بين الصديق والجاريتين حتى خطابتاه، خطاب الند للند، لا خطاب المسود للسيد، وتقبل الصديق على شرفه وجلالته في الجاهلية والاسلام -منهما ذلك، مع أن له يدًا عليهما بالعتق، وكيف صقل الاسلام الجاريتين حتى تخلقتا بهذا الخلق الكريم، وكان يمكنهما وقد أعتقتا وتحررتا من الظلم أن تدعا لها طحينها يذهب أدراج الرياح، أو يأكله الحيوان والطير، ولكنهما أبتا -تفضلًا، إلا أن تفرغا منه، وترداه إليها [2] .

ومر الصديق بجارية بني مؤمل حي من بني عدي بن كعب وكانت مسلمة، وعمر بن الخطاب يعذبها لتترك الاسلام، وهو يؤمئذ مشرك يضربها، حتى إذا ملَّ قال: إنى أعتذر إليك إني لم أتركك إلا عن ملالة فتقول: كذلك فعل الله بك فابتاعها أبوبكر فأعتقها) [3] .

هكذا كان واهب الحريات، ومحرر العبيد، شيخ الاسلام الوقور، الذي عرف بين قومه بأنه يكسب المعدوم، ويصل الرحم، ويحمل الكل، ويقري الضيف، ويعيين على نوائب الحق، لم ينغمس في إثم في جاهليته، أليف مألوف، يسيل قلبه رقة ورحمة على الضعفاء، والأرقاء، أنفق جزء كبير من ماله في شراء العبيد، وعتقهم لله، وفي الله، قبل أن تنزل التشريعات الاسلامية المحببة في العتق، والواعدة عليه أجزل الثواب [4] .

كان المجتمع المكي يتندر بأبي بكر - رضي الله عنه - الذي يبذل هذا المال كله لهؤلاء المستضعفين، أما في نظر الصديق، فهؤلاء إخوانه في الدين الجديد، فكل واحد من

(1) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (1/ 393) .

(2) انظر: السيرة النبوية لأبي شهبة (1/ 346) .

(3) السيرة النبوية لابن هشام (1/ 393) .

(4) انظر: السيرة النبوية لأبي شهبة (1/ 345) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت