فهرس الكتاب

الصفحة 328 من 1638

1 -إن الكف عن القتال في مكة ربما لأن الفترة المكية كانت فترة تربية وإعداد، في بيئة معينة، لقوم معينين، وسط ظروف معينة، ومن أهداف التربية في مثل هذه البيئة: تربية الفرد العربي على الصبر على مالا يصبر عليه عادة من الظيم حين يقع عليه أو على من يلوذون به: ليخلص من شخصه، ويتجرد من ذاته، فلا يندفع لأول مؤثر، ولا يهتاج لأول مهيج ومن ثم يتم الاعتدال في طبيعته وحركته. ثم تربيته على أن يتبع نظام المجتمع الجديد بأوامر القيادة الجديدة، حيث لايتصرف إلا وفق ماتأمره -مهما يكن مخالفًا لمألوفه وعادته- وقد كان هذا هو حجر الأساس في إعداد شخصية العربي المسلم لإنشاء (المجتمع المسلم) .

2 -وربما كان ذلك أيضًا لأن الدعوة السلمية أشد أثرًا وأنفذ في مثل بيئة قريش ذات العنجهية والشرف، والتي قد يدفعها القتال معها - في مثل هذه الفترة- الى زيادة العناد ونشأة ثارات دموية جديدة كثارات العرب المعروفة أمثال داحس والغبرا وحرب البسوس، وحينئذ يتحول الاسلام من دعوة الى ثارات تنسى معها فكرته الأساسية.

3 -وربما كان ذلك أيضًا اجتنابًا لإنشاء معركة ومقتلة داخل كل بيت، فلم تكن هناك سلطة نظامية عامة هي التي تعذب المؤمنين، وإنما كان ذلك موكولًا الى أولياء كل فرد ومعنى الإذن بالقتال - في مثل هذه البيئة- أن تقع معركة ومقتلة في كل بيت ثم يقال: هذا هو الاسلام!! ولقد قيلت حتى والاسلام يأمر بالكف عن القتال! فقد كانت دعاية قريش في المواسم، إن محمدًا يفرق بين الوالد وولده فوق تفريقه لقومه وعشيرته؛ فكيف لو كان. كذلك يأمر الولد بقتل الوالد، والمولى بقتل الولي؟

4 -وربما كان ذلك أيضًا لما يعلمه الله من أن كثيرًا من المعاندين الذين يفتنون المسلمين عن دينهم ويعذبونهم هم بأنفسهم سيكونون من جند الاسلام المخلص، بل من قادته، ألم يكن عمر بن الخطاب من بين هؤلاء؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت