فهرس الكتاب

الصفحة 376 من 1638

في أمورهم الدنيوية والأخروية على السواء [1] وقد كان في حس الأمة الاسلامية في صدرها الزاهر أن إيمانها بقدرة الله تعالى المطلقة وقضاءه وقدره لا يتعارض مع اتخاذ الأسباب، لقد كانوا يدركون أن لله تعالى سننًا في هذا الكون وفي حياة البشر غير قابلة للتغيير. ومع أن لله تعالى سننًا خارقة تملك أن تصنع كل شيء، ولا يعجزها شيء إلا أن الله تعالى جلت قدرته قد قضى بأن تكون سنته الجارية ثابتة في الحياة الدنيا، وأن تكون سنته الخارقة استثناء لها، وكلتاهما معلقة بمشيئة الله، لذلك كان في حسهم أنه لابد لهم من مجاراة السنن الجارية إذا رغبوا في الوصول الى نتيجة معينة في واقع حياتهم، أي أنه لابد من اتخاذ الأسباب المؤدية الى النتائج بحسب تلك السنن الجارية [2] .

وإن تخلف المسلمين اليوم عن ركب الزعامة العالمية لم يكن ظلمًا نزل بهم، بل كان العدل الإلهي مع قوم نسوا رسالتهم، وحطوا مكانتها، وشابوا معدنها بركام هائل من الأهواء والأوهام في مجال العلم والعمل على سواء، وأهملوا السنن الربانية وظنوا أن التمكين قد يكون بالأماني والأحلام ولكن هيهات: {ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ} (سورة آل عمران، الآية: 182) وربما سائل يقول: ولكن إذا كان هذا عقاب الله للمؤمنين الذين عصوه، فما بال الكافرين الذين جحدوه سبحانه بالمرة، ومع ذلك فإنهم ممكنين في الأرض -من الناحية المادية- غاية التمكن؟

إن هؤلاء الكفار لم يبلغوا مابلغوه لأنهم أقرب من الله أو أرضى له، ولم يبلغوا مابلغوا بسحر أو بمعجزة أو لأنهم خلق آخر متميز، ولم يقيموا الصناعات أو يجوبوا البحار، أو يخترقوا أجواء الفضاء لأن عقيدتهم حق، أو لأن فكرهم سليم ... إنهم بلغوا ذلك لأن السبيل الى هذا التقدم درب مفتوح لجميع خلق الله مؤمنهم وكافرهم، برهم

(1) انظر: التمكين للأمة الاسلامية، ص 248 الى 249، 250.

(2) انظر: مفاهيم ينبغي أن تصحح، ص 262 ومابعدها بتصرف لمحمد قطب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت