ووافق الغضبان سيد في ماذهب إليه: (وهذه اللفتة العظيمة من"سيد"رحمه الله، لها في السيرة مايعضدها ويساندها، وأهم مايؤكدها في رأي هو الوضع العام الذي انتهى إليه أمر مهاجرة الحبشة، فلم نعلم أن رسول الله قد بعث في طلب مهاجرة الحبشة حتى مضت هجرة يثرب وبدر وأحد والخندق والحديبية، لقد بقيت يثرب معرضة لاجتياح كاسح من قريش خمس سنوات وكان آخر هذا الهجوم والاجتياح في الخندق، وحين اطمأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أن المدينة قد أصبحت قاعدة أمينة للمسلمين وانتهى خطر اجتياحها من المشركين عندئذ بعث في طلب المهاجرين من الحبشة، ولم يعد ثمة ضرورة لهذه القاعدة الاحتياطية التي كان من الممكن أن يلجأ إليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لو سقطت يثرب في يد العدو [1] .
ويميل الأستاذ دروزة إلى أن فتح مجال للدعوة في الحبشة سببًا من أسباب هجرة الحبشة حيث يقول: (بل إنه ليخطر بالبال أن يكون من أسباب اختيار الحبشة النصرانية أمل وجود مجال للدعوة فيها، وأن يكون هدف انتداب جعفر متصلًا بهذا الأمل) [2] وذهب إلى هذا القول الدكتور سليمان بن حمد العودة: ومما يدعم الرأي القائل بكون الدعوة للدين الجديد في أرض الحبشة سببًا وهدفًا من أسباب الهجرة إسلام النجاشي، وإسلام آخرين من أهل الحبشة، وأمر آخر، فإذا كان ذهاب المهاجرين للحبشة بمشورة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وتوجيهه فبقاؤهم في الحبشة إلى فتح خيبر بأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - وتوجيهه، وفي صحيح البخاري: فقال جعفر: للأشعريين - حين وافقوه بالحبشة: (إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعثا هنا، وأمرنا بالإقامة فأقيموا معنا) [3] .
(1) المنهاج الحركي للسيرة (1/ 67،68) .
(2) سيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - (1/ 265) عن الشامي، ص 111.
(3) الصحيح مع الفتح (6/ 237) .