فلما رأت قريش أن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد آمنوا، واطمأنوا بأرض الحبشة، وأنهم قد أصابوا بها دارًا واستقرارًا، وحسن جوار من النجاشي، وعبدوا الله لايؤذيهم أحد، ائتمروا فيما بينهم أن يبعثوا وفدًا للنجاشي لإحضار من عنده من المسلمين إلى مكة بعد أن يوقعوا بينهم وبين ملك الحبشة، إلا أن هذا الوفد خدم الإسلام والمسلمين من حيث لايدري، فقد أسفرت مكيدته عند النجاشي عن حوار هادف دار بين أحد المهاجرين وهو جعفر بن أبي طالب، وبين ملك الحبشة أسفر هذا الحوار عن إسلام النجاشي، وتأمين المهاجرين المسلمين عنده [1] ، فعن أم سلمة بنت أبي أمية المغيرة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - قالت: لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا بها خير جار (النجاشي) أمنا على ديننا وعبدنا الله تعالى لانؤذي ولانسمع شيئًا نكرهه، فلما بلغ ذلك قريشًا ائتمروا أن يبعثوا إلى النجاشي فينا رجلين جلدين [2] ، وأن يهدوا للنجاشي هدايا مما يستطرف من متاع مكة، وكان من أعجب مايأتيه منها إليه الأدم [3] ، فجمعوا له أدمًا كثيرًا، ولم يتركوا من بطارقته [4] بطريقًا إلا أهدوا له هدية، ثم بعثوا بذلك عبدالله بن أبي ربيعة بن المغيرة المخزومي، وعمرو بن العاص بن وائل السهمي، وأمروهما أمرهم، وقالوا لهما: ادفعا إلى كل بطريق هديته قبل أن تكلموا النجاشي فيهم، ثم قدموا للنجاشي هداياه، ثم سلوه أن يسلمهم إليكم قبل أن يكلمهم قال: فخرجا فقدما على النجاشي، ونحن عنده بخير دار وخير جار. فلم يبق من بطارقته بطريق إلا دفعا إليه هديته قبل أن يكلما النجاشي، ثم قالا لكل بطريق منهم: إنه صبأ إلى بلد الملك منا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينكم، وجاءوا بدين مبتدع لانعرفه نحن ولاأنتم، وقد بعثنا إلى الملك فيهم
(1) انظر: الهجرة في القرآن الكريم، ص 304.
(2) الجلد، القوة والشدة.
(3) الأدم: جمع أديم وهو الجلد المدبوغ.
(4) جمع بطريق: وهو الحاذق بالحرب وأمورها بلغة الروم.