داود في سننه بسند صحيح عن أم حبيبة رضي الله عنها أنها كانت تحت عبيد الله ابن جحش، فمات بأرض الحبشة، فزوجها النجاشي النبي - صلى الله عليه وسلم - وأمهرها عنه أربعة آلاف، وبعث بها إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - مع شرحبيل بن حسنة [1] .
ويستنتج الباحث من دلالات هذا الحدث المهم متابعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - لأحوال المهاجرين، ومشاركتهم في مصابهم، وتطييب أنفس الصابرين، وتقدير ثبات الثابتين وبالتتبع لأحوال المهاجرات لانجد (أم حبيبة) رضي الله عنها هي الوحيدة التي يُعنى الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - بأمرها، ويواسيها في مصابها، بل سبق ذلك صنيعه مع (سودة) رضي الله عنها [2] ، فلما رجعت مع زوجها إلى مكة من الحبشة توفي زوجها السكران بن عمرو، فلما حلَّت أرسل إليها - صلى الله عليه وسلم - وخطبها، فقالت: أمري إليك يارسول الله، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مُري رجلًا من قومك يزوجك، فأمرت حاطب بن عمرو بن عبدشمس بن عبد ودّ فزوجها، فكانت أول إمرأة تزوجها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد خديجة [3] .
وهذان الحدثان مؤشران من مؤشرات حكم تعدده - صلى الله عليه وسلم - في الزواج بشكل عام، ولهما دلالتهما وحكمتهما بالاهتمام بالنساء المجاهدات بشكل خاص هذا فضلًا عن مايمكن أن يقال أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يهدف أيضًا من وراء الزواج بأم حبيبة تخفيف عداوة (بني أمية) بشكل عام، وتخفيف عداوة زعيمهم أبي سفيان (والدها) بشكل أخص للإسلام ونبيه والمسلمين [4] .
فالتأليف للإسلام وارد في السيرة والرسول - صلى الله عليه وسلم - كان حريصًا على قومه بكل وسيلة
(1) صحيح سنن ابي داود للألباني (2/ 396) .
(2) انظر: الهجرة الأولى في الاسلام، ص 188.
(3) الطبقات (8/ 3) .
(4) السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية، د. مهدي رزق الله، ص 706،707.