الماديين، الذين يوزنون حركات التاريخ وأحداثه كلها بميزان المادة، فأين هي المادة التي سوف يكسبها صهيب في هجرته والتي ضحى من أجلها بكل مايملك؟
هل تراه ينتظر أن يعطيه محمد - صلى الله عليه وسلم - منصبًا يعوّضه عما فقده؟ أم هل ترى محمدًا - صلى الله عليه وسلم - يُمنيَّه بالعيش الفاخر في جوار أهل يثرب؟
إن صهيب مافعل ذلك، وما انحاز إلى الفئة المؤمنة إلا ابتغاء مرضاة الله بالغًا مابلغ الثمن، ليضرب لشباب الإسلام مثلًا في التضحية عزيزة المنال، عساهم يسيرون على الدرب، ويقتفون الأثر [1] .
إن هذه المواقف الرائعة لم تكن هي كلَّ مواقف العظمة والشموخ في الهجرة المباركة، بل امتلأ هذا الحدث العظيم بكثير من مشاهد العظمة والتجرد والتضحية التي تعطي الأمة دروسًا بليغة في بناء المجد وتحصيل العزة [2] .
خامسًا: البيوتات الحاضنة وأثرها في النفوس:
لقد كان من نتائج إيمان الأنصار ومبايعتهم وتعهدهم بالنصرة أن دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المسلمين إلى الهجرة إلى المدينة، كما كان من نتائج ذلك أن ظهرت ظاهرة عظيمة من التكافل بين المسلمين، ففتحت بيوت الأنصار أبوابها وقلوب أصحابها لوفود المهاجرين، واستعدت لاحتضانهم - رجالًا ونساءً، إذ أصبح المسكن الواحد يضمّ المهاجر والأنصاري والمهاجرة والأنصارية، يتقاسمون المال والمكان والطعام والمسؤولية الإسلامية فمن هذه البيوتات الحاضنة:
1 -دار مبشّر بن عبدالمنذر بن زنبر بقباء: ونزل بها مجموعة من المهاجرين نساء ورجالًا، وقد ضمت هذه الدور عمر بن الخطاب ومن لحق به من أهله وقومه
(1) نفس المصدر، ص 121.
(2) انظر: الهجرة النبوية المباركة، ص 119.