والمحافظة على العرض قال شاعرهم:
وأغضُّ طرفي إن بدت لي جارتي
حتى يواري جارتي مأواها
وكانوا إذا استجار أحد الناس بهم أجاروه، وربما ضحوا بالنفس والولد والمال في سبيل ذلك.
كانت هذه الفضائل، والأخلاق الحميدة رصيدًا ضخمًا في نفوس العرب، فجاء الاسلام فنماها وقواها، ووجهها وجهة الخير والحق، فلاعجب إذا كانوا انطلقوا من الصحارى كما تنطلق الملائكة الاطهار، فتحوا الأرض، وملأوها إيمانًا بعد أن ملئت كفرًا، وعدلًا بعد أن ملئت جورًا، وفضائل بعد أن عمتها الرذائل، وخيرًا بعد أن طفحت شرًا [1] .
هذه بعض أخلاق المجتمع الذي نشأ فيه الانسان العربي فهو أفضل المجتمعات، لهذا اختير رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، واختير له هذا المجتمع العربي، وهذه البيئة النادرة، وهذا الوسط الرفيع مقارنة بالفرس والروم والهنود واليونان، فلم يختر من الفرس على سعة علومهم ومعارفهم ولا من الهنود على عمق فلسفاتهم، ولا من الرومان على تفننهم، ولا من اليونان على عبقرية شاعريتهم وخيالهم، وإنما اختير من هذه البيئة البكر، لأن هؤلاء الأقوام وإن كانوا على ماهم عليه وماهم فيه من علوم ومعارف، إلا أنهم لم يصلوا الى ماوصل إليه العرب من سلامة الفطرة، وحرية الضمير، وسمو الروح [2] .
(1) انظر: السيرة النبوية لأبي شهبة (1/ 97) .
(2) انظر: نظرات في السيرة للإمام حسن البنا، ص 14.