قالت: فوضع يده عليه، فقال: لابأس، إذا كان ترك لكم هذا فقد أحسن، وفي هذا بلاغ لكم. ولا والله ماترك لنا شيئًا، ولكني أردت أن أسكّن الشيخ بذلك) [1] .
وبهذه الفطنة والحكمة سترت أسماء أباها، وسكنّت قلب جدها الضرير، من غير أن تكذب، فإن أباها قد ترك لهم حقًا هذه الأحجار التي كوّمتها لتطمئن لها نفس الشيخ! إلا أنه قد ترك لهم معها إيمانًا بالله لاتزلزله الجبال، ولا تحركه العواصف الهوج، ولا يتأثر بقلة أو كثرة في المال، وورثهم يقينًا وثقة به لاحد لها، وغرس فيهم همة تتعلق بمعالي الأمور، ولا تلتفت الى سفاسفها، فضرب بهم للبيت المسلم مثالًا عزّ ان يتكرر، وقلّ أن يوجد نظيره.
لقد ضربت أسماء رضي الله عنها بهذه المواقف لنساء وبنات المسلمين مثلًا هُنّ من أمس الحاجة الى الاقتداء به، والنسج على منواله.
وظلت أسماء مع إخواتها في مكة، لا تشكو ضيقًا، ولا تظهر حاجة، حتى بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - زيد بن حارثة وابا رافع مولاه، وأعطاهما بعيرين وخمسمائة درهم الى مكة فقدما عليه بفاطمة وأم كلثوم ابنتيه، وسوده بنت زمعة زوجه، وأسامة بن زيد، وأمة بركة المكناة بأم أيمن، وخرج معهما عبدالله بن أبي بكر بعيال أبي بكر، فيهم عائشة وأسماء، فقدموا المدينة، فأنزلهم في بيت حارثة بن النعمان [2] .
8 -أمانات المشركين عند رسول الله صلى الله عليه وسلم:
في إيداع المشركين ودائعهم عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع محاربتهم له وتصميمهم على قتله دليل باهر على تناقضهم العجيب الذي كانوا واقعين فيه، ففي الوقت الذي كانوا يكذبونه ويزعمون أنه ساحر أو مجنون أو كذاب لم يكونوا يجدون فيمن حولهم من
(1) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (2/ 102) إسناده صحيح.
(2) انظر: الهجرة النبوية المباركة، ص 128.