فهرس الكتاب

الصفحة 56 من 1638

حتى نخاصمك فيها، قال: فاجعلوا بيني وبينكم من شئتم أحاكمكم إليه. قالوا: كاهنة بني سعد بن هذيم، قال: نعم، وكانت بأشراف الشام.

فركب عبدالمطب ومعه نفر من بني أمية، وركب من كل قبيلة من قريش نفر، فخرجوا والأرض إذا ذاك مفاوز، حتى إذا كانوا ببعضها نفد ماء عبدالمطلب وأصحابه، فعطشوا حتى استيقنوا بالهلكة، فاستسقوا من كانوا معهم فابوا عليهم، وقالوا: إنا بمفازة [1] وإنا نخشى على أنفسنا مثل ما أصابكم. فقال عبدالمطلب: إني أرى أن يحفر كلّ رجل منكم حفرته لنفسه بمالكم الآن من القوة، فكلما مات رجل دفعه أصحابه في حفرته ثم واره، حتى يكون آخرهم رجلًا واحدًا، فضيعة رجل واحد أيسر من ضيعة ركب جميعه. فقالوا: نِعمَ ماأمرت به.

فحفر كل رجل لنفسه حفرة، ثم قعدوا ينتظرون الموت عطشًا. ثم إن عبدالمطلب قال لأصحابه: والله إن إلقاءنا بأيدينا هكذا للموت لا ضرب في الأرض، ولا نبتغي لأنفسنا لعجز، فعسى الله أن يرزقنا ماء ببعض البلاد، ارتحلوا. فارتحلوا حتى إذا بعث [2] عبدالمطلب راحلته انفجرت من تحت خفها عين ماء عذب، فكبّر عبدالمطلب، وكبر أصحابه، ثم نزل فشرب وشرب أصحابه، واستسقوا حتى ملأوا أسقيتهم، ثم دعا قبائل قريش -وهم ينظرون إليهم في جميع هذه الأحوال- فقال: هَلُّموا الى الماء فقد سقانا الله، فجاءوا فشربوا، واستقوا كلهم، ثم قالوا: قد والله قضى لك علينا، والله مانخاصمك في زمزم أبدًا، إن الذي سقاك هذا الماء بهذه الفلاة هو الذي سقاك زمزم، فارجع الى سقايتك راشد. فرجع ورجعوا معه ولم يصلوا الى الكاهنة، وخلوَّ بينه وبين زمزم).

(1) المفازة: جمعها مفاوز: القفار.

(2) بعث راحلته: اقامها من بروكها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت