3 -مراجعته - صلى الله عليه وسلم - فيما أشكل عليهم حتى يتبين لهم:
فمع كمال هيبتهم لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وشدة تعظيمهم له، لم يكونوا يترددون في مراجعته - صلى الله عليه وسلم - لاستيضاح ما أشكل عليهم فهمه، حتى يسهل حفظه بعد ذلك، ولاشك أن هذه المراجعة تعين على تمام الفهم وحضور الوعي فمن ذلك حديث حفصة رضي الله عنها قالت: قال النبي - صلى الله عليه وسلم: (إني لأرجو ألا يدخل النار أحد إن شاء الله ممن شهد بدرًا والحديبية) . قالت: قلت يارسول الله، أليس قد قال الله {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا} (سورة مريم، آية:71) قال: (قال: ألم تسمعيه يقول: {ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيًا} [1] (سورة مريم، آية:72) .
ومن ذلك حديث جابر بن عبدالله، عن عبدالله بن أنيس، رضي الله عنهم، الذي رحل جابر إليه فيه، قال ابن أنيس: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (يحشر الله العباد -أو قال: الناس - عراةً غرلًا [2] بُهْمًا) قال: قلنا: مابُهمًْا؟ قال: (ليس معهم شيءٌ، ثم يناديهم بصوت يسمعه من بَعُد، كما يسمعه من قَرُب: أنا الملك، أنا الديَّان، لاينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة، ولاينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار، وعنده مظلمة، حتى أُقصَّه [3] منه، حتى اللطمة) . قال: قلنا: كيف ذا وإنما نأتي الله غُرْلًا بُهْمًا؟ قال: (بالحسنات والسيئات)
قال: وتلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - {الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [4] (سورة غافر، آية:17) .
وهكذا استفهم الصحابة عما خفي عليهم، واستوضحوا ما أشكل عليهم فهمه وهذه
(1) ابن ماجة، كتاب الزهد، باب ذكر البعث (2/ 1431) .
(2) غُرلا: جمع أغرَل، وهو الأقلف والغرلة: القُلفة والقُلفة: هي القطعة التي تقطع من الذكر عند الختان.
(3) أُقصَّه: أمكِّنه من أخذ القصاص ممن ظلمه.
(4) أخرجه الحاكم (2/ 437) وصححه ووافقه الذهبي.