ب- وفي خبر الهجرة، روى البخاري عن أنس رضي الله عنه: (إنه - صلى الله عليه وسلم - أقبل إلى المدينة وهو مردف أبا بكر، وأبو بكر شيخ يعرف، والنبي - صلى الله عليه وسلم - شاب لايعرف، قال: فيلقي الرجل أبا بكر فيقول: يا أبا بكر، من هذا الذي بين يديك؟ فيقول: هذا الرجل يهديني السبيل، فيحسب الحاسب أنه إنما يعني الطريق، وإنما يعني سبيل الخير) [1] ، وكان - صلى الله عليه وسلم - لم يشب، وكان أسن من أبي بكر [2] .
ويلاحظ من النص بوضوح، أن أبا بكر كان يبدو في سنه الحقيقي شيخًا [3] ، بينما كان - صلى الله عليه وسلم - يبدو شابًا، لعدم ظهور الشيب فيه، كما أوضح ذلك القسطلاني بقوله: وكان - صلى الله عليه وسلم - لم يشب، وكان أسن من أبي بكر [4] .
وبذلك نستطيع أن نقول، إن الفارق في العمر بينه - صلى الله عليه وسلم - وبين عائشة لم يكن ذلك الفارق الكبير من وجهة النظر العملية، فهاهو - صلى الله عليه وسلم - يسابق السيدة عائشة، فتسبقه مرة، ويسبقها أخرى، فيقول: (هذه بتلك) [5] ، والأمثلة في حياته كثيرة [6] .
ويستطيع كل ذي نظر أن يدرك الحكمة الجليلة التي كانت وراء زواج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من عائشة رضي الله عنها، فقد تم هذا الزواج الميمون في مطلع الحياة في المدينة ومع بداية المرحلة التشريعية من حياته - صلى الله عليه وسلم - ومما لاشك فيه أن الإنسان يقضي جزءًا كبيرًا من حياته في بيته ومع أسرته، وكان لابد من نقل سلوك الرسول الكريم في هذا الجانب من حياته إلى الناس، حتى يستطيعوا التأسي به، وكانت تلك مهمة السيدة
(1) البخاري، كتاب مناقب الأنصار، باب الهجرة.
(2) انظر: شرح الزرقاني على المواهب (1/ 355) نقلًا عن معين السيرة.
(3) انظر: معين السيرة، ص 171.
(4) انظر: معين السيرة، ص 171.
(5) نفس المصدر، ص 172.
(6) المصدر السابق، ص 172.