وعلى مكانتهم في حشودهم وعلى من بقي منهم مصروعًا بجراحه لم يدركه الموت، للإجهاز على من ترى قيادة جيش الإسلام المصلحة في القضاء عليه إتقاء شره في المستقبل، كالذي كان في أمر الفاسق أبي جهل فرعون هذه الأمة، والذي كان في شأن رأس الكفر أمية بن خلف وأضرابهما، وقد أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بإلقاء هؤلاء الأخباث في ركيّ [1] من قُلُب [2] بدر خبيث مخبث ثم وقف على شفة الركيّ [3] ، وقد ورد أنه - صلى الله عليه وسلم - وقف على القتلى فقال: (بئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم، كذبتموني، وصدقني الناس، وخذلتموني ونصرني الناس، وأخرجتموني وآواني الناس) [4] .
ثم أمر بهم، فسُحِبوا إلى قليب من قلب بدر، فطرحوا فيه، ثم وقف عليهم فقال: (ياعتبة بن ربيعة، وياشيبة بن ربيعة، ويافلان، ويافلان، هل وجدتم ماوعدكم ربكم حقا، فإني وجدت ماوعدني ربي حقا) فقال عمر بن الخطاب: يارسول الله! ماتخاطب من أقوام قد جيَّفوا؟ فقال: (والذي نفسي بيده، ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لايستطيعون الجواب) [5] قال قتادة: أحياهم الله حتى أسمعهم قوله، توبيخًا، وتصغيرًا، ونقمة، وحسرة، وندمًا [6] .
إن مناداة الرسول - صلى الله عليه وسلم - لقتلى قريش بينت أمرًا عظيمًا، وهو أنهم بدأوا حياة جديدة، هي حياة البرزخ الخاصة، وهم فيها يسمعون كلام الأحياء، غير أنهم لايجيبون ولا يتكلمون، والإيمان بهذه الحياة من عقائد المسلمين، ونعيم القبر وعذابه ثابتان في صحاح
(1) ركي: حافة البئر.
(2) قُلُب: ابيار وفرد بئر.
(3) انظر: محمد رسول الله، صادق عرجون (3/ 454) .
(4) زاد المعاد (3/ 187) .
(5) أخرجه البخاري (7/ 234) في المغازي، باب دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - على كفار قريش.
(6) الأساس في السنّة وفقهها السيرة النبوية (1/ 479) .