لما نقضت العهد بنوقينقاع وكان عبادة بن الصامت أحد بني عوف - لهم من حلف بني قينقاع مثل الذي لهم من عبدالله بن أبي مشى لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخلعهم إليه، وتبرأ إلى الله عزوجل وإلى رسوله - صلى الله عليه وسلم - من حلفهم وقال: يارسول الله، أتولى الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين، وأبرأ من حلف هؤلاء الكفار وولايتهم [1] ، ولما تقرر جلاء بني قينقاع أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عبادة بن الصامت أن يجليهم، فجعلت قينقاع تقول: يا أبا الوليد من بين الأوس والخزرج - ونحن مواليك - فعلت هذا بنا؟ قال لهم عبادة: لما حاربتم جئت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت: يارسول الله إني أبرأ إليك منهم ومن حلفهم، وكان ابن أبي وعبادة بن الصامت منهم بمنزلة واحدة في الحلف فقال عبدالله بن أبي: تبرأت من حلف مواليك؟ ماهذا بيدهم عندك، فذكّره مواطن قد أبْلَوا فيها، فقال عبادة: يا أبا الحباب، تغيرت القلوب، ومحا الإسلام العهود، أما والله إنك لمُعْصِمٌ بأمر سنرى غِيَّه غدًا، فقالت قينقاع: يامحمد، إن لنا ديْنًا في الناس، قال النبي - صلى الله عليه وسلم: تَعَجَّلوا وضعوا، وأخذهم عبادة بالرحيل والإجلاء، وطلبوا التنفس، فقال لهم: ولاساعة من نهار لكم ثلاث لا أزيد عليها هذا أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولو كنت أنا ما نفستكم، فلما مضت ثلاث، خرج في آثارهم حتى سلكوا إلى الشام وهو يقول: الشرف الأبعد الأقصى فالأقصى، وبلغ خلف الذباب ثم رجع، ولحقوا بأذرعات [2] .
وهكذا خرج بنو قينقاع من المدينة صاغرين قد ألقوا سلاحهم وتركوا أموالهم غنيمة للمسلمين وهم كانوا من أشجع يهود المدينة وأشدهم بأسًا، وأكثرهم عددًا وعدة ولذلك لاذت القبائل اليهودية بالصمت والهدوء فترة من الزمن بعد هذا العقاب الرادع، وسيطر
(1) انظر: اليهود في السنّة المطهرة (1/ 282،283) .
(2) نفس المصدر (1/ 284،285) .